فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 501

بصفة السمع، ويبصر حقيقة بصفة البصر ويعلم بعلم ويقدر بقدرة، يستلزم التشبيه؛ لأن معنى هذا الكلام في المشاهد أن السمع لا يكون إلا بجارحة، والبصر لا يكون إلا بآلة كما دل عليه أول الكلام (سَمِيعٌ بِغَيْرِ جَارِحَةٍ، وَبَصِيرٌ بِغَيْرِ آلَةٍ، بَلْ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ) فقوله سميع بغير جارحة؛ لتوهم أن إثبات صفة حقيقية قائمة في ذات الله تعالى هو نفسه إثبات صفة قائمة بذات العبد، وهذا تركيب وتجزئة وتعدد للصفات، والتعدد في ذات الله تعالى ينافي واحديته، [1] والذي يدل قياس الكليني صفات الله على صفات المخلوقين، ثم إصدار الحكم حسب ذلك، تعليقه على رواية ينسبها لأبي جعفر قال فيها: أن معنى الصمد (الذي يصمد إليه كل شيء) فقال الكليني:"فَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الصَّحِيحُ فِي تَأْوِيلِ الصَّمَدِ لَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُشَبِّهَةُ، أَنَّ تَأْوِيلَ الصَّمَدِ الْمُصْمَتُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ صِفَةِ الْجِسْمِ، وَاللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ مُتَعَالٍ عَنْ ذَلِكَ هُوَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تَقَعَ الْأَوْهَامُ عَلَى صِفَتِهِ، أَوْ تُدْرِكَ كُنْهَ عَظَمَتِهِ، ولَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الصَّمَدِ فِي صِفَةِ اللَّهِ - عز وجل - الْمُصْمَتَ لَكَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ - عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ الْمُصْمَتَةِ الَّتِي لَا أَجْوَافَ لَهَا مِثْلِ الْحَجَرِ، وَالْحَدِيدِ، وَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمُصْمَتَةِ الَّتِي لَا أَجْوَافَ لَهَا"، [2] هنا نفى الكليني أن يكون الله تعالى مصمتًا أي أنه لا جوف له؛ لمجرد اتصاف الأجسام بها، فتبين بذلك أن منهجه في النفي والإثبات ليس ما جاء به الكتاب والسنة، إنما أن يكون مخالفًا للصفات التي يتصف بها المخلوق، وإلا كان ذلك تشبيهًا، ودليل أخر يرويه عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إذ كَانَ مِنْ سُؤَالِهِ، أَنْ قَالَ:"فَلَهُ رِضًا وَ سَخَطٌ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - عليه السلام: نَعَمْ، [3] وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يُوجَدُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّضَا حَالٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِ فَتَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ أَجْوَفُ مُعْتَمِلٌ مُرَكَّبٌ لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ مَدْخَلٌ، وَخَالِقُنَا لَا مَدْخَلَ لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ، لِأَنَّهُ وَاحِدٌ وَاحِدِيُّ الذَّاتِ وَاحِدِيُّ الْمَعْنَى، فَرِضَاهُ ثَوَابُهُ وَسَخَطُهُ عِقَابُهُ مِنْ غَيْرِ شيء يَتَدَاخَلُهُ فَيُهَيِّجُهُ وَيَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ الْعَاجِزِينَ الْمُحْتَاجِينَ"، [4] والشاهد من هذه الرواية تعليلهم نفي صفة الرضا؛ لأن في معنى صفة الرضا الانتقال من حال إلى حال، وهذه صفة الأجسام الحادثة كما روى في إثبات حدوث الأجسام عن أبي عبد الله أن زنديقا سأله:"مَا الدَّلِيلُ عَلَى"

(1) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ إطلاق القول بأنه شيء، 1/ 62: رقم الحديث 6] . انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي (4/ 50) .

(2) الكليني، أصول الكافي (1/ 89) .

(3) قوله نعم ليس إثباتًا للصفة أن الله متصف بها، إنما إثبات إضافتها لله كإضافة المخلوقين له تعالى، والسياق يدل على ذلك.

(4) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ الارادة أنها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل، 1/ 80: رقم الحديث 6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت