فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 501

حَدَثِ الْأَجْسَامِ؟ فَقَالَ أبو عبد الله: إِنِّي مَا وَجَدْتُ شَيْئًا صَغِيرًا وَ لَا كَبِيرًا إِلَّا وَإِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ مِثْلُهُ صَارَ أَكْبَرَ، وَفِي ذَلِكَ زَوَالٌ وَانْتِقَالٌ عَنِ الْحَالَةِ الْأُولَى، وَلَوْ كَانَ قَدِيمًا مَا زَالَ وَلَا حَالَ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَزُولُ وَيَحُولُ يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ وَيُبْطَلَ فَيَكُونُ بِوُجُودِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ دُخُولٌ فِي الْحَدَثِ، وَفِي كَوْنِهِ فِي الْأَزَلِ دُخُولُهُ فِي الْعَدَمِ، وَلَنْ تَجْتَمِعَ صِفَةُ الْأَزَلِ وَالْعَدَمِ وَالْحُدُوثِ وَالْقِدَمِ فِي شيء وَاحِدٍ"، [1] والإنسان لأنه أجوف أي ذو جوف أو فيه مدخل للأشياء بخلاف الله تعالى لا مدخل للأشياء فيه، ولأنه معتمل، والمعتمل الذي عمل فيه غيره ونقله من حال إلى حال مثل صفة الرضا والغضب تنقله من حال إلى حال، وهذه من صفات الأجسام، ولأنه مركب أي أن الإنسان مركب من ذات وصفات, ومن أجزاء متباينة ومختلفة في الصورة والكيفية، بخلاف الله تعالى فإنه (واحد واحدي الذات واحدي المعنى) ، أي لا تركيب فيه أصلًا لا ذهنًا ولا خارجًا، وليس وجوده زائدًا على ذاته، وليست له صفات متكثّرة متغايرة زائدة على ذاته، وفي قوله: (واحد) إشارة إلى نفي الكثرة قبل الذَّات؛ لعدم تركّبه من الأجزاء، وفي قوله: (واحدي الذات) إشارة إلى نفي الكثرة في مرتبة الذات لكون وجوده عين ذاته، وفي قوله: (واحدي المعني) إشارة إلى نفي الكثرة بعد مرتبة الذَّات لكون صفاته عين ذاته، [2] هكذا فهم الكليني وأتباعه معنى اسم الواحد، وعليه عمد إلى تأويل صفة الرضا والسخط التي تعنى الغضب بأثرهما دون إثباتها حقيقة، فقال: (فَرِضَاهُ ثَوَابُهُ وَسَخَطُهُ عِقَابُهُ، مِنْ غَيْرِ شيء يَتَدَاخَلُهُ فَيُهَيِّجُهُ وَيَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ الْعَاجِزِينَ الْمُحْتَاجِينَ) ، والشاهد أنه تصور حال العبد عند الغضب وعند الرضا فرأى أنه انفعال وتهييج في النفس، وهذا الانفعال ينقله من حال إلى حال، وهذا الانتقال من حال إلى حال من صفات المخلوقين؛ لهذا لابد أن نسلب عنه هذه الصفات بالقول أن رضاه ثوابه وسخطه عقابه، فعطل بذلك كل صفات الله تعالى لتوهمه التشبيه، فوقع في التشبيه والتعطيل؛ وذلك من خلال تحديد صفات الله تعالى بقياسه على المخلوقات, وهذا تشبيه، وذلك من خلال توهمه أن إثبات الصفات التي سمي بها المخلوق واشترك فيها لفظًا مع الخالق، [3] يعني إثباتها كما هو في المشاهد، فعمد إلى التعطيل ثانيًا؛ ولهذا قال بعض أهل العلم إن كل معطل مشبه، ولا يستقيم له التعطيل إلا بعد التشبيه، [4] والناظر للكلام السابق خاصة نفي صفة المصمت عن الله تعالى لاتصاف بعض الأجسام بهذه الصفة وأن لا جوف"

(1) [الكليني، أصول الكافي، التوحيد/ حدوث العالم وإثبات المحدث، 1/ 58: رقم الحديث 2]

(2) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 274) . الكاشاني، الوافي (1/ 460) .

(3) اشتراك الألفاظ بين الخالق والمخلوق مع إثبات المعنى الكلي الذي يقع تحت هذه الألفاظ تثبت لله وللعبد، والإضافة تقطع المشابهة بينهما. انظر: ابن رجب، تفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 677) .

(4) انظر: ابن القيم، الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (1/ 244) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت