فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 501

ذات موجودة إلا جسم أو جوهر، فيلزمك على هذا نفي الذات ووجودها من أصله؛ لاستلزام التشبيه مع بقية الموجودات. [1]

ث نفي صفات الله تعالى قياسًا على ما يعرف في المخلوق يلزم النفاة نفي المعاني التي أثبتوها في حق الله تعالى وإن كانت معاني سلبٍ لا ثبوتية، وبيان ذلك أن الكليني نفى صفات الله تعالى بما يعرفه من نفسه، ونفى العجز والجهل عن الله تعالى من هذا القبيل، ولما كان الإنسان من صفاته أنه لا يعجز ولا يجهل فيما هو مستطاع له حسب قدرته، فعليه يلزم الكليني أن نفي العجز والجهل عن الله تعالى تشبيه بالمخلوق في القدر الذي لا يعجز عنه الإنسان، فإن قال العبد نفي الجهل عنه فيما يعلمه ونفي العجز عنه فيما يقدر عليه، يقال له: وهذا هو المطلوب فلنثبت الصفات الثبوتية كصفة السمع ونقول أن العبد سمعه محدود، وأن الله سمعه وسع الأصوات كلها، وهكذا في بقية الصفات فينتفي التشبيه، [2] والمراد من هذا بيان فساد القياس من أصله، ويزيده وضوحًا الرد التالي.

ج ما ألزم به المعطل من التشبيه هو كذلك يلزم به فينقض مذهبه، ومثال على ذلك، أن الله تعالى نادى الجبال وأمرها بأن تٌأوّب مع داود فقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ: 10] ، فهنا الأمر يقتضي بأن الجبال تسمع، فإما أن تقول بأنها تسمع بسمع حقيقة لا نعلم كيفيته، فأقول لك: من باب أولى أن يكون لله تعالى الذي أثبت لنفسه السمع دون أن نراه كيفية وحقيقة لا نعلمها، من أن نثبت لمن نراه دون معرفة حقيقته، وإن قال بل تسمع مجازًا، يقال له: أبسمع أم ليس بسمع؟ فإن قال: ليس بسمع، يقال له: حملك سمع الله تعالى على المجاز، تشبيه بالجبال التي جعلت معنى سمعها مجازًا كذلك، لهذا يقال بأن هذا القياس لوازمه نفي كل الصفات حتى الذات، وفي الرد الآتي بيان ذلك. [3]

ح هذا القياس لازم لنفي كل الصفات، وهذا ما وصل إليه الكليني ومن روى عنهم، ومثال ذلك كالذي يثبت لله صفة السمع وينفي صفة الغضب، يقال لهم: نفيتم صفة الغضب عن الله تعالى لقولكم أنها من صفات الأجسام، وأنه لا يعقل في المشاهد غضب إلا غليان دم القلب لطلب الانتقام، فيقال لهم: ونحن نلزمكم أن صفة السمع أو غيرها لا يعقل منها في المشاهد إلا أن تكون من صفات الأجسام؛ لأن المشاهد يشهد أنه لا سمع إلا بخرق، والخرق لا يكون إلا في

(1) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (5/ 356)

(2) انظر: الدارمي، نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيد (1/ 308) .

(3) المرجع السابق، ص 310.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت