أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة مع كون كل منها مخلوقًا ممكنًا، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأجلى، بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع؛ [1] لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"الخالق يوصف بما يليق به، والمخلوق يوصف بما يليق به، وأن الاسم وإن كان متفقًا، فالإضافة إلى الله تخصصه وتقيده بما ينفى عنه مماثلة الخلق"، [2] وهذا الكلام يستنتج منه أن اتفاق الاسم في اللفظ يثبت المعنى وإضافته إلى الموصوف به يثبت القدر الذي تتغاير به المعاني؛ لهذا المعنى للصفة معلوم وعليه يترتب الأثر، فنحن قد علمنا في أنفسنا معنى القوة والقدرة والعلم والحكمة والسمع والبصر واليد والعين، وعلمنا التغاير بين المخلوقات المتصفة بهذه الصفات، كصفة القوة مثلًا، فالإنسان يتصف بها والحديد كذلك، وليس قوة هذا كقوة هذا، وبذلك علمنا معنى القوة ودرجاتها، وعلمنا أثر كل درجة على الموجودات، فوصلنا لمعنى القوة وعلمنا أن القوة التي في الخلق أجمعين لابد لها وأن تحد بحد معين وتنتهي؛ لأن كل صفة مختصة حسب إضافتها للموصوف، ولما أضيفت القوة لله تعالى علمنا معناها دون حقيقتها -كيفيتها-، وهذا معنى قول السلف بأن المعنى معلوم والكيف مجهول، وإثباته لا يقتضي التشبيه، والقول: قوتي كقوة الله تعالى هذا هو التشبيه، وأما القول بأنّ لله تعالى قوة تختص به، ولي قوة تختص بي، كما أن للحديد قوة تختص به، فهذا لا تشبيه فيه أبدًا.
ت القول في الصفات كالقول في الذات، هذه من القواعد التي قررها أهل السنة والجماعة، ومعناها: أنّ الله ليس كمثله شيءٌ، لا في ذاته، ولا في صفاته، لهذا الله لا يقاس بخلقة، ومن ثم إذا كان له ذاتٌ حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفاتٍ حقيقة لا تُماثِلُ صفات سائر الذوات؛ [3] لهذا يقال: كما أثبتم ذاتًا ليست كالذوات، أثبتوا لله - سبحانه وتعالى - صفات ليست كالصفات، [4] لأنه يلزم من يقول: بأنه لا يتصور إلا يد بجارحة أو جسم، يقال له كذلك لا يتصور في الوجود
(1) ابن عثيمين، تقريب التدمرية (ص: 21) بتصرف.
(2) ابن تيمية، الاستقامة (1/ 102) .
(3) انظر: ابن الوزير، العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (4/ 127) . ابن تيمية، التدمرية (ص: 43) . ابن تيمية، مجموع الفتاوى (3/ 25) . الذهبي، العرش (1/ 172) .. النووي، جزء فيه ذكر اعتقاد السلف في الحروف والأصوات (ص: 40) .
(4) انظر: السجزي، رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: 281) . الذهبي، سير أعلام النبلاء (8/ 402) .