فهرس الكتاب
عشرة مرة، فلما قضى صلاته، قَالَ: انظروا أيش- أي شيء- هذا الذي آذاني في صلاتي؟ فنظروا فإذا الزنبور قد ورَّمه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته. [1]
ت قوة الذكاء والحفظ:
اجتمع في الإمام البخاري رحمه الله تعالى قوة الذكاء مع قوة الحفظ، وهذا ما جعله مقدمًا على غيره، والذي يدل على ذلك، اختبار علماء بغداد له، عند دخوله بغداد، حيث سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسنادٍ آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوها على البخاري، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتُدِبَ إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، حتى فرغ من العشرة، والبخاري يقول: لا أعرفه، فأما العلماء فعرفوا بإنكاره أنه عارف، وأما غيرهم فلم يدركوا ذلك منه، فلما فرغوا التفت البخاري إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول، فهو كذا، والثاني كذا، على النسق، إلى آخر العشرة، فردَّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، ثم فعل بالباقين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل. [2]
وهذا الذكاء والحفظ كان ملازمًا له منذ صغره، فقد جاء عنه أنه كان يصحّح للمشايخ من حفظه وهو ابن إحدى عشرة سنة، وحفظ كتب ابن المبارك ووكيع وعمره ست عشرة سنة. [3]
ونقل البغدادي بسنده عن حاشد بن إسماعيل [4] رحمهما الله تعالى أنه قال:"كان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل يختلف معنا إلى مشايخ البصرة، وهو غلام فلا يكتب، حتى أتى على ذلك أيام، فكنا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب، فما مَعْنَاكَ فيما تصنع؟! فقال لنا بعد ستة عشر يومًا: إنكما قد أكثرتما عليّ وأَلْحَحْتما، فأعرِضا عليّ ما كتبتما، فأخرجنا ما كان"
(1) انظر: البغدادي، تاريخ بغداد (2/ 330) .
(2) انظر: البغدادي، تاريخ بغداد (2/ 341) . ابن الأثير، جامع الأصول (1/ 186) .
(3) انظر: البغدادي، تاريخ بغداد (2/ 324) . الذهبي، سير أعلام النبلاء (12/ 393) .
(4) هو حاشد بن إسماعيل بن عيسى البخاري الغزال الحافظ محدث الشّاش - من إقليم التّرك تقع الآن في الجنوب الغربي من الاتحاد السوفييتي وتعرف بطشقند - وكان ثبتا إماما، أحد أئمة الأثر، مات سنة إحدى وستين ومائتين وقيل سنة اثنتين وستين رحمه الله تعالى. انظر: الذهبي، تذكرة الحفاظ (2/ 110) . ابن العماد، شذرات الذهب في أخبار من ذهب (3/ 268) .