قُلْتُ: لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ - عليه السلام - سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ يَرْوِي عَنْكُمْ، أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ صَمَدِيٌّ نُورِيٌّ، [1] مَعْرِفَتُهُ ضَرُورَةٌ، يَمُنُّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ! فَقَالَ - عليه السلام: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] لَا يُحَدُّ وَلَا يُحَسُّ وَلَا يُجَسُّ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَلَا الْحَوَاسُّ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ شيء، وَلَا جِسْمٌ وَلَا صُورَةٌ، وَلَا تَخْطِيطٌ وَلَا تَحْدِيدٌ". [2] وادعاء هشام أن هذا مذهب آل البيت جعل التجسيم يستمر عند الرافضة حتى منتصف المائة الثالثة، وبعدها دبّ الخلاف بينهم في حقيقة التجسيم والتشبيه، فمنهم قال: أن الله جسم، ومنهم من قال: أن الله صورة، وهذا دل عليه ما رواه الكليني عن سَهْلٌ قَالَ:"كَتَبْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ - عليه السلام - سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، قَدِ اخْتَلَفَ يَا سَيِّدِي أَصْحَابُنَا -ورواية: مَنْ قِبَلَنَا مِنْ مَوَالِيكَ قَدِ اخْتَلَفُوا - [3] فِي التَّوْحِيدِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ جِسْمٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ صُورَةٌ، فَإِنْ رَأَيْتَ يَا سَيِّدِي أَنْ تُعَلِّمَنِي مِنْ ذَلِكَ مَا أَقِفُ عَلَيْهِ وَلَا أَجُوزُهُ فَعَلْتَ، مُتَطَوِّلًا عَلَى عَبْدِكَ. فَوَقَّعَ بِخَطِّهِ - عليه السلام: سَأَلْتَ عَنِ التَّوْحِيدِ، وَهَذَا عَنْكُمْ مَعْزُولٌ، اللَّهُ وَاحِدٌ أَحَدٌ {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} خَالِقٌ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ يَخْلُقُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَجْسَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِجِسْمٍ وَيُصَوِّرُ مَا يَشَاءُ وَلَيْسَ بِصُورَةٍ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبْهٌ، هُوَ لَا غَيْرُهُ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ". [4] "
وهكذا جاءت المراسلات - حسب الروايات- بين أئمة آل البيت رضوان الله عليهم وبين مواليهم في بيان المذهب الحق، فيما يخص توحيد الأسماء والصفات، وهذا ما سيظهر في المرحلة الثانية.
المرحلة الثانية: مراسلة أئمة آل البيت في بيان الحق والتحذير من المجسمة.
بعد منتصف القرن الثالث تبرأ أئمة الشيعة، وبعض علمائهم المتقدمين من مذهب الهشامَيْن ومن تبعهما في التجسيم، وبدؤوا يراسلون الأئمة فيما قالوه ونسبوه للأئمة، فذم الأئمة
(1) قال المجلسي:"قد يؤول كلامه بأن مراده بالجسم الحقيقة العينية القائمة بذاتها لا بغيرها، وبالصمدي ما لا يكون خاليا في ذاته عن شيء، فيستعد أن يدخل هو فيه، أو مشتملًا على شيء يصح عليه خروجه عنه، وبالنوري: ما يكون صافيًا عن ظلم المواد وقابلياتها، بل عن المهية المغايرة للوجود وقابليتها". المجلسي: مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول (2/ 1) .
(2) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ النهي عن الجسم والصورة، 1/ 76: رقم الحديث 1] .
(3) انظر: [المرجع السابق، التوحيد/ النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى، 1/ 74: رقم الحديث 5] .
(4) [المرجع نفسه، التوحيد/ النهي عن الجسم والصورة، 1/ 75: رقم الحديث 10] .