الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِخِلَافِ ذَلِكَ"، [1] والشاهد هنا أنه تكلم بكلام فلسفي في بيان معنى اسم الله تعالى الأخر، فلم يتضمن تعظيمًا لله تعالى، ولم يستفد القارئ فضلًا على أن يفهمه."
رابعًا: اعتماده على الأدلة العقلية أكثر من اعتماده على الأدلة القرآنية.
كل الروايات السابقة تدل على اعتماد الكليني على الأدلة العقلية في نفي الصفات وفي مسائل التوحيد، ونلفت النظر هنا لبعض الأمثلة على ذلك:
1 -روى في نفي رؤية الله تعالى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ:"كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ - عليه السلام - أَسْأَلُهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ، فَكَتَبَ: لَا تَجُوزُ الرُّؤْيَةُ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ هَوَاءٌ لَمْ يَنْفُذْهُ الْبَصَرُ، فَإِذَا انْقَطَعَ الْهَوَاءُ عَنِ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ لَمْ تَصِحَّ الرُّؤْيَةُ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الِاشْتِبَاهُ؛ لِأَنَّ الرَّائِيَ مَتَى سَاوَى الْمَرْئِيَّ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ بَيْنَهُمَا فِي الرُّؤْيَةِ وَجَبَ الِاشْتِبَاهُ، وَكَانَ ذَلِكَ التَّشْبِيهُ؛ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ لَا بُدَّ مِنِ اتِّصَالِهَا بِالْمُسَبَّبَاتِ". [2] هنا نفوا رؤية الله تعالى؛ لأن رؤيته تقتضي أن يكون بينه وبين خلقه هواء لتصح الرؤية، ووجود الهواء بينه وبين خلقه مساواة في الأسباب، وإذا تساوت الأسباب اقتضى ذلك التشبيه، [3] وهذا كلام فلسفي ليس له شاهد من الكتاب والسنة.
2 -روى عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ سِمْعَانَ بْنِ أَبِي رُبَيْحَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ سُئِلَ:"أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - عليه السلام -، بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: بِمَا عَرَّفَنِي نَفْسَهُ، قِيلَ وَكَيْفَ عَرَّفَكَ نَفْسَهُ؟ قَالَ: لَا يُشْبِهُهُ صُورَةٌ، وَلَا يُحَسُّ بِالْحَوَاسِّ، وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ، قَرِيبٌ فِي بُعْدِهِ بَعِيدٌ فِي قُرْبِهِ، فَوْقَ كُلِّ شيء، وَلَا يُقَالُ شيء فَوْقَهُ، أَمَامَ كُلِّ شيء، وَلَا يُقَالُ لَهُ أَمَامٌ، دَاخِلٌ فِي الْأَشْيَاءِ، لَا كشيء دَاخِلٍ فِي شيء، وَخَارِجٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ، لَا كشيء خَارِجٍ مِنْ شيء، سُبْحَانَ مَنْ هُوَ هَكَذَا، وَلَا هَكَذَا غَيْرُهُ، وَلِكُلِّ شيء مُبْتَدَأٌ". [4] في هذه الرواية بيان لطريق معرفة الله تعالى، والمأخذ عليها أنه لم يعتمد على كتاب الله تعالى ولا سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - في بيان معرفته بذكر ما وصف به نفسه في كتابه أو في سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، إنما اعتمد على أسلوب كلامي بعيد عن هدي الكتاب والسنة.
(1) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ معاني الأسماء واشتقاقها، 1/ 83 - 84: رقم الحديث 5] .
(2) [المرجع السابق، التوحيد/ في إبطال الرؤية، 1/ 73: رقم الحديث 12] .
(3) انظر: العاملي، بدر الدين، الحاشية على أصول الكافي (ص: 83) .
(4) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ لا يعرف إلا به، 1/ 64: رقم الحديث 2] .