ومنها إلزام الخصم بدلالات القرآن، ومثال ذلك: تبويبه بقول الله تعالى: {وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ} [سبأ: 23] ، وقول البخاري:"وَلَمْ يَقُلْ: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ". [1]
ومما سبق يتضح الفرق بين التعطيل والتحريف:
التعطيل هو نفي للمعنى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة دون تفسيره تفسير باطل، ويكون في المدلول، وأما التحريف: فهو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها، ويكون في الدليل، ويسميه القائلون به تأويلًا ويسمون أنفسهم بأهل التأويل، لأجل أن يصبغوا هذا الكلام بصبغة القبول؛ لأن التأويل لا تنفر منه النفوس ولا تكرهه كما تنفر من التحريف، والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق، فالتعطيل أعم مطلقًا من التحريف؛ بمعنى أنه كلما وجد التحريف وجد التعطيل دون العكس، وبذلك يوجدان معًا فيمن أثبت المعنى الباطل ونفى المعنى الحق، ويوجد التعطيل بدون التحريف فيمن نفى الصفات الواردة في الكتاب والسنة، وزعم أن ظاهرها غير مراد، ولكنه لم يعين لها معنى آخر، وهو ما يسمونه بالتفويض. [2] وبيّن البخاري هذه الفروق بين التعطيل والتحريف بأقل الكلمات، فبوب بقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ} [الفتح: 15] ، [3] وذكر في كتاب خلق أفعال العباد بابًا أشار فيه إلى أن هذه صفة من صفات المعطلة، وهي الصفة البارزة فيهم، فقال:"باب ما ذكر أهل العلم للمعطلة الذين يريدون أن يبدلوا كلام الله - عز وجل -". [4] فعّد تبديل كلام الله تعالى تعطيلًا، والتبديل والتغيير لكلام الله تعالى إما أن يكون لفظًا أو معنىً، والمقصود به هنا تغيير المعنى مما دل عليه اللفظ في سياق الجملة، فيكون هذا معنى التحريف، فيعلم بذلك أن كل محرف معطل، وليس كل معطل محرف، ومثال ذلك ما ذكره ابن عثيمين فقال:"إذا قال قائل: معنى قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] ، أي بل قوتاه، وهذا محرف للدليل، ومعطل للمراد الصحيح، لأن المراد اليد الحقيقية، فقد عطل المعنى المراد، وأثبت معنى غير المراد، وإذا قال: بل يداه مبسوطتان، لا أدري! أفوض الأمر إلى الله، لا أثبت اليد الحقيقية، ولا اليد المحرف إليها اللفظ. نقول: هذا معطل، وليس بمحرف، لأنه لم يغير معنى اللفظ، ولم يفسره بغير مراده، لكن عطل"
(1) البخاري، صحيح البخاري (9/ 141) .
(2) انظر: الهراس، شرح العقيدة الواسطية (ص: 67) . ابن عثيمين، شرح العقيدة الواسطية (1/ 92) .
(3) البخاري، صحيح البخاري (9/ 143) .
(4) البخاري، خلق أفعال العباد للبخاري (ص: 29) .