ثالثًا: التشبيه.
يعدّ تشبيه الله تعالى بخلقه، أو تشبيه خلقه به ناقضًا لتوحيد الأسماء والصفات، ودلّل البخاري على هذا الناقض فذكر في أحد الأبواب أن الله تعالى قال:" {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] وَأَنَّ حَدَثَهُ لاَ يُشْبِهُ حَدَثَ المَخْلُوقِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] ". [1]
والشاهد أن البخاري نفى الشبه بين حدث الخالق وحدث المخلوق، وعلّل هذا النفي بقول الله تعالى: {ليس كمثله شيء} , ونفْيُ المثل عن الله تعالى لا يكون في شيء دون شيء, بل يكون في أسمائه وذاته وصفاته وأفعاله، ومعنى المِثل كما قال أرباب اللغة:"الشِّبْه. يُقَالُ: مِثْل ومَثَل وشِبْه وشَبَه بِمَعْنًى وَاحِدٍ"، [2] وقال ابن فارس:"الميم والثاء واللام، أصل صحيح يدل على مناظرة الشيء للشيء، وهذا مثل هذا: أي نظيره، والمثل والمثال في معنى واحد. وربما قالوا: مثيل كشبيه"، [3] وقال ابن تيمية:"تنازع الناس: هل لفظ الشبه والمثل بمعنى واحد أو معنيين؟ على قولين:"
أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وأن ما دل عليه لفظ المثل مطلقًا ومقيدًا يدل عليه لفظ الشبه، وهذا قول طائفة من النظار.
والثاني: أن معناها مختلف عند الإطلاق لغةً وشرعًا وعقلًا، وإن كان مع التقيد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر، وهذا قول أكثر الناس". [4] "
والذي جاء في القرآن هو نفي المثل دون الشبه؛ لأنه أعم الألفاظ ويدل على نفي الشبه كما بين ذلك الراغب فقال: المثل:"عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أيّ معنى كان، وهو أعمّ الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أنّ النّدّ يقال فيما يشارك في الجوهر فقط، والشّبه يقال فيما يشارك في الكيفيّة فقط، والمساوي يقال فيما يشارك في الكمّيّة فقط، والشّكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، والمِثْلَ عامّ في جميع ذلك، ولهذا لمّا أراد الله تعالى نفي التّشبيه من كلّ وجه خصّه بالذّكر فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى/ 11] "، [5] فيكون على ذلك معنى قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} : أي ليس مثله شيء، وليس هو كشيء، لا في
(1) البخاري، صحيح البخاري (9/ 152) .
(2) ابن منظور، لسان العرب (11/ 610) .
(3) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة (5/ 296) .
(4) ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (3/ 444) .
(5) الراغب، المفردات في غريب القرآن (ص: 759) .