شبهة تأويل البخاري صفة الوجه.
هناك من نسب للبخاري تأويل الصفات، [1] واستدل بتفسيره على قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ، قال:"إلا ملكه، ويقال: إلا ما أريد به وجه الله". [2]
الرد على هذه الشبهة.
1 -ما أورده البخاري في كتاب التفسير يعدّ من الكلام المتشابه لا المحكم الذي يستدل به على منهج البخاري في الصفات، والقاعدة تقول: المتشابه يرد للمحكم، وهذه قاعدة مطردة في تحديد المعنى المراد، [3] والمحكم الذي يردّ إليه ما ذكره في كتاب التوحيد، وهو إثبات أن صفة الوجه صفة حقيقية لله تعالى، ووجه إحكامه يظهر في الرد القادم.
2 -إفراد البخاري لهذه الصفة بباب مستقل في كتاب التوحيد، وخاصة بعد ترجمته لإثبات الذات يدل على إثباتها صفة لله تعالى.
3 -الحديث الذي في الباب يدل صراحة على أن الوجه صفة لله حقيقة، والشاهد فيه استعاذة النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجه الله تعالى، والاستعاذة بغير الله تعالى وصفاته شرك بالله، وحاشا النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك، وقد بينّا في غير هذا الموضع أن من ضوابط تحديد صفات الله تعالى عند البخاري الاستعاذة بها. [4]
4 -أشار البخاري إشارة واضحة في إثبات الوجه صفة حقيقية لله تعالى، وذلك في قوله رحمه الله تعالى في أحد المواضع في صحيحه:"وَسَمَّى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - القُرْآنَ الكريم شَيْئًا، وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تعالى، وَقَالَ الله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] "، [5] والشاهد أنه أجاز أن يطلق على القرآن شيئًا، وهو كلام الله تعالى، وذكر الآية كدليل على جواز هذا الإطلاق على صفاته فذكر صفة الوجه.
5 -ذكر البخاري رحمه الله تعالى في كتاب التفسير، عند تفسير قوله الله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] من فسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى. [6] فهذا يدل على إثبات البخاري لصفة الوجه صفة حقيقية، وأنه لا يتأولها.
6 -قد تتعدد أقوال السلف في تفسير آية أو صفة من الصفات حسب الدلالات الثلاث - دلالة التضمن واللزوم والمطابقة-، وحسب سياق الآية دون اختلافهم في إثبات الصفة، والدلالة تكون
(1) انظر: جوهري، تأويل السلف لصفات الله تعالى (ص: 51) .
(2) البخاري، صحيح البخاري (6/ 112) .
(3) انظر: السهيمي، قاعدة رد المتشابه إلى المحكم في نصوص الاعتقاد (ص: 152) .
(4) انظر في هذا البحث: ص 241.
(5) البخاري، صحيح البخاري (9/ 124) .
(6) انظر: المرجع السابق (6/ 72) .