عن صاحب المعصية، والمعاصي كذلك تتفاوت؛ لهذا العقاب يكون بحسب الجرم الذي سبب غضب الله تعالى.
خامسًا: صفة المحبة والبغض.
ذكر البخاري في صحيحه روايات عدة في إثبات صفة المحبة والكره، ومنها:
1 -روى عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"قَالَ اللَّهُ: إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ". [1] استشهد الدارمي رحمه الله تعالى بهذه الرواية على ثبوت المحبة والكراهية لله تعالى ثم قال:"فذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكراهيتين معًا من الخالق والمخلوق"، [2] وكأنه يقول للمعطلة، فكما أثبتم صفة المحبة والكراهية في العبد حقيقة، أثبتوها لله تعالى بمقتضى هذه النصوص، وذلك تحت مظلة القواعد القرآنية، كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .
2 -جاء في أحد الروايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ ... ، وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ". [3] والشاهد واضح في إثبات صفة المحبة لله تعالى، وذلك من خلال إضافته لنفسه؛ وإذا أضيف الشيء لنفسه إما أن يكون صفة له أو مخلوقًا له، وقد علم أن المحبة صفة؛ لأنها لا تقوم بنفسها.
3 -روى بسنده عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"الأَنْصَارُ لاَ يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ". [4] هذه الرواية تؤكد ثبوت صفتي المحبة والبغض؛ لأن انقسام الكون في أعيانه وصفاته وأفعاله إلى محبوب للرب مرضي له، ومسخوط مبغوض له مكروه له أمر معلوم بجميع أنواع الأدلة، من العقل والنقل، والفطرة والاعتبار، فمن سوى بين ذلك كله فقد خالف فطرة الله التي فطر عليها عباده، وخالف المعقول والمنقول، وخرج عما جاءت به الرسل. [5]
(1) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ} [الفتح: 15]
، 9/ 145: رقم الحديث 7504].
(2) الدارمي، نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله - عز وجل - من التوحيد (2/ 869) .
(3) [البخاري: صحيح البخاري، مناقب الأنصار/ حب الأنصار، 5/ 32: رقم الحديث 3783] .
(4) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: «لاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تعالى» ... ، 9/ 123: رقم الحديث 7416] .
(5) ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 268) بتصرف يسير.