ثامنًا: صفة الغيرة.
بوب البخاري في إثبات هذه الصفة عدة أبواب، وأهمها التي جاءت في كتاب التوحيد فبوب بقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"لاَ شَخْصَ [1] أَغْيَرُ مِنَ اللَّه تعالى"، [2] وروى في الباب عَنْ وَرَّادٍ، كَاتِبِ المُغِيرَةِ عَنِ المُغِيرَةِ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ وَالمُنْذِرِينَ، وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ» "، [3] وروى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لاَ أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلاَ شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ"، [4] وروى كذلك عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَرَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ تَزْنِي، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا"، [5] وروى كذلك عُرْوَة بْن الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"لاَ شَيْءَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ"، [6] وروى عن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ المُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تعالى"، [7] من أهل العلم من استدلّ واستنبط من هذه الأحاديث معنى صفة الغيرة، فجعل غيرته هي أن يأتي المؤمن ما حرم الله تعالى، [8] أو منع وتحريم المعاصي، [9] والحق أن إتيان ما حرم الله تعالى، ومنع الناس من الفواحش، ليس هو غيرة الله تعالى، إنما هي سبب من أسباب غيرته تعالى، وهذا ما دل عليه ما"
(1) تنازع أهل الحديث من أصحاب أحمد وغيرهم في إطلاق اسم الشخص علي الله تعالى، قال القاضي أبو يعلى فغير ممتنع إطلاقها عليه لأنه ليس في ذلك ما يمثل صفاته. انظر: ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 395 - 396) .
(2) البخاري، صحيح البخاري (9/ 123) .
(3) [المرجع السابق، التوحيد/ قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: «لاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تعالى» ... ، 9/ 123: رقم الحديث 7416] .
(4) [المرجع نفسه، التوحيد/ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، 9/ 123: رقم الحديث 7414].
(5) [المرجع نفسه، النكاح/ الغيرة، 7/ 35: رقم الحديث 5221] .
(6) [المرجع نفسه، النكاح/ الغيرة، 7/ 35: رقم الحديث 5222] .
(7) [المرجع نفسه، النكاح/ الغيرة، 7/ 35: رقم الحديث 5223] .
(8) انظر: ابن حجر، فتح الباري (9/ 320) .
(9) انظر: النووي، شرح النووي على مسلم (10/ 132) .