جاء في أحد الروايات المذكورة: (وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) وقال ابن تيمية:"هذا نص صريح في إثبات السبب الذي هو الغيرة والمسبب الذي هو المنع والزجر وأنه من أجل غيرته التي هي السبب كان هذا المسبب الذي هو التحريم"، [1] وأراد بذلك ابن تيمية الرد على من قال بأن معنى الغيرة هنا هي المسبب الذي يعني منع وتحريم الفواحش، فلم يميز بين السبب والمسبب وفسر السبب الذي هو الغيرة بالمسبب الذي هو التحريم، والغرض من ذلك إثبات صفة الغيرة، وأنها صفة فعلية لله تعالى؛ لهذا قال في موضع أخر:"الغيرة تتضمن البغض والكراهة، فأخبر أنه لا أحد أغير منه، وأن من غيرته حرم الفواحش ولا أحد أحب إليه المدحة منه"، [2] وقال الغنيمان في شرحه على الحديث الأخير:"ومعناه: أن الله يغار إذا انتهكت محارمه، وليس انتهاك المحارم هو غيرة الله؛ لأن انتهاك المحارم فعل العبد، ووقوع ذلك من المؤمن أعظم من وقوعه من غيره، غيرة الله تعالى من جنس صفاته التي يختص بها، فهي ليست مماثلة لغيرة المخلوق، بل هي صفة تليق بعظمته، مثل الغضب، والرضا، ونحو ذلك من خصائصه التي لا يشاركه الخلق فيها"، [3] ونخلص من ذلك: أن الغيرة صفة كمال لله تعالى كبقة الصفات، نفهم معناه بواسطة المعلوم لنا في الشاهد المشارك له في المعنى في الجملة، وعند التخصيص، فهذا يكون من مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقته، والتي لا يعلمها إلا هو - سبحانه وتعالى -، [4] قال ابن تيمية:"القدر المشترك مطلق كليّ لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدَث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه، فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال: كالوجود والحياة والعلم والقدرة، ولم يكن في ذلك ما يدل على شيء من خصائص المخلوقين، كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق، لم يكن في إثبات هذا محذور أصلا، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودَين لا بد بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود". [5]
تاسعًا: صفة الفرح.
جاء إثبات صفة الفرح لله تعالى في الحديث عن توبة العبد فروى البخاري بسند عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُ تعالى أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ، سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ،"
(1) ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 421) .
(2) ابن القيم، الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (4/ 1497) .
(3) الغنيمان، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 335) .
(4) انظر: ابن تيمية، التدمرية (ص: 111) . الغنيمان، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 340) .
(5) ابن تيمية، التدمرية (ص: 126) .