تكوينه للأشياء بأن يصدر عنه الحرف والصوت وينطق بكلمة كن ونحوها؛ لأنَّ ذلك من صفات الخلق وهو سبحانه منزَّه عنها". [1] "
2 -روى عَنْ أَبِي بَصِيرٍ أنه سأل أَبَا عَبْدِ اللَّهِ:"فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا؟ قَالَ أبو عبد الله: إِنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ لَيْسَتْ بِأَزَلِيَّةٍ، كَانَ اللَّهُ - عز وجل - وَلَا مُتَكَلِّمَ". [2] علق على هذه الرواية المازندراني فقال:"ذهب الإماميّون رضوان الله عليهم أجمعين إلى أنّه حادث لدلالة هذه الرِّواية وغيرها من الرِّوايات المتكثرة المروية عن العترة الطاهرة على حدوثه؛ ولأنَّ الكلام عبارة عن الألفاظ المركبّة والمعاني المرتّبة، ولا يعقل منه غيرهما، ولا شكَّ أنَّ كلَّ واحد منهما حادث، وأيضًا لو كان الكلام قديمًا لزم تحقّق الخطاب والطلب في الأزل بدون المخاطب، وأنّه سفه لا يليق بجناب القدس، وإذا ثبت حدوثه ثبت أنّه ليس عين ذاته تعالى؛ لأنَّ صفاته الذَّاتيّة الأزليّة عين ذاته دون غيرها من الصفات الحادثة الفعليّة، ولا قائمًا بذاته تعالى؛ لاستحالة حلول الحوادث فيه، بل هو قائم بالهواء، أو بجبرئيل، أو بالشجر، أو بغيره من الأجسام الجماديّة، وكونه تعالى متكلّمًا عبارة عن إيجاد الكلام في هذه الأمور وأمثالها". [3]
المناقشة:
تضافرت الأدلة النقلية والعقلية على إثبات صفة الكلام لله تعالى، وقد تم ذكر أكثر الأدلة النقلية في نماذج على الصفات الفعلية عند البخاري، أما العقلية فقد ذكرنا بعضها ضمنًا في الرد على قولهم بأن الصفات الفعلية مخلوقة، ونذكر هنا بعض الأدلة على ثبوت هذه الصفة زيادة في التأكيد:
1 -الكلام صفة كمال ونفيها نفي لهذا الكمال، فمن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما أن من يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر، والذي يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وأكمل ممن تكلم بغير مشيئته وقدرته، إن كان ذلك معقولا. [4]
2 -نفيهم للصوت والحرف باطل، ودل على بطلانه القرآن، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} [المائدة: 116] ، ووجه الدلالة ما ذكره ابن عثيمين بأن الكلام هنا بحروف وصوت؛ لأن عيسى - عليه السلام - يسمع ما قاله الله تعالى، وهذا القول الذي هو بحروف وصوت لا
(1) المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 237) .
(2) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ صفات الذات، 1/ 78: رقم الحديث 1] .
(3) المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 246) .
(4) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (6/ 294) .