الأمر للتكرار لكفى الإنسان أن يؤمن ساعة ويتقي الله ساعة، ولا خلاف في أنه لا يكفيه ذلك، وأنه لا بد من الاستمرار في ذلك. ولأن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده والنهي يستلزم ترك المنهي عنه على الدوام فكذلك ضده وهو الأمر يستلزم فعل المأمور على الدوام وذلك التكرار.
وذهب الحنفية وأكثر المالكية والشافعية ورواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب وبن قدامة وبن بدران وغيرهم من الحنابلة أنه لا يقتضي التكرار لأنه لا تعرض للعدد في الأمر المطلق فيكون المقصود إيجاده وحينئذٍ يكتفى بفعله مرة واحدة لإيجاده، ولو قال الأب لابنه مرَّ على زيدٍ فسلم عليه ففعل ذلك مرةً واحدة كان قد أدى الأمر ولو عاقبه الأب على عدم التكرار لكان الأب ملومًا، ولأن القول بالتكرار يفضي قطعًا إلى تعارض الأوامر وهذا ممتنع شرعًا فكيف يجمع بين تكرار الصلاة والزكاة وبر الوالدين وغير ذلك من الواجبات الشرعية إذا بقي يكرر كل واحدةٍ منها، وأما قولهم أنه يقاس على الإيمان والتقوي في وجوب الاستدامة، فهذا قياسٌ مع الفارق فإن الإيمان والتقوى ضدهما الكفر والفسوق وكلاهما منهيٌ عنه على الدوام ولو ترك الإيمان وقع في الكفر أو ترك التقوى وقع في الفسوق فكان لابد من استدامة الإيمان والتقوى حتى لا يقع فيما نُهِيَ عنه، بخلاف الأمر بفعلٍ مطلقٍ لا يستلزم تركه الوقوع في محرم فهذا هو الذي نقول بعدم تكراره. وأما قولهم أن الأمر كالمنهي فغير صحيح للفرق بن الأمر والنهي، لأن الانتهاء عن الفعل أبدًا ممكن، أما الاشتغال به أبدًا فغير ممكن، والشيء لا يقاس بضده بل بما يماثله.