فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 186

أقول: ونظرًا لهذا التدخل السافر للدولة الحديثة في نظام الوقف فقد العلماء موردًا أساسيًا لأرزاقهم مما أفقدهم استقلالهم الشرعي والعلمي والجهر بالحق في وجه الأنظمة الفاسدة، لم تكتف الدولة بحل بهذا وحسب بل إنها ربطت العلماء بكودر وظيفية ورواتب حكومية تجعلهم يفكرون بصورة جدية إذا ما عارضوا السلطة الحاكمة وإلا سيفصلون من وظائفهم وتقطع رواتبهم بالإضافة إلى السجن أو أحكام الإعدام. لكن الملفت للنظر أن الأزهر كان مستقلًا ماليًا في العصرين المملوكي والعثماني رغم ماقيل عن المماليك والعثمانيين من دراسات غير منصفة .. لكنني أزعم أن الأزهر عاش عصره الذهبي في ظل العصرين المملوكي والعثماني"وتعاظم دور علماء الأزهر في الحقبتين المملوكية والعثمانية نتيجة استقلالهم المالي والعلمي والذي مكنهم من القيام بالعديد من الأدوار التي تفرضها مهمة العلماء في سياق إسلامي، وهي تعيين الحاكم وإسداء النصح له طوال فترة حكمه ومراقبته وتقويمه وخلعه عندما يفقد شروط المنصب، وأيضًا تعليم الدين والدفاع عن الشعب في مواجهة السلطة الظالمة وأن يكونوا حلقة وصل بينه وبين السلطة العادلة وتعبئته لتأييد سياستها إذا اقتضت الظروف ذلك. وقد قام علماء الأزهر- (كما ذكرناه آنفًا) - بتولية محمد علي الذي فطن إلى قوتهم فعمل على تهميش دور الأزهر وأحدث شرخًا في استقلاليته، فتراجع نفوذ علمائه الإجتماعي في مقابل تقدم صفوة شبه علمانية في تفكيرها قادت عمليات تحديث على الطريقة الغربية" [1]

والجدير بالذكر دور الخلفاء العثمانيين [2] في عدم التدخل في شؤونهم المالية والعلمية"ولم تعين الدولة العثمانية أي عالم"

(1) السابق/الحالة الدينية/ص 28.

(2) أود أن أضيف أن الدولة العثمانية في عصر الإنحطاط الذي بدأ بالسلطان العثماني مصطفى الثالث (1171 هـ 1187 هـ) بمعنى آخر فعصر الإنحطاط بدأ بالتاريخ الميلادي من سنة 1757 حتى سقوط الخلافة رسميًا سنة 1924 .. في هذا العصر استخدم السلاطين وجهاز الدولة الدين المتمثل في شيخ الإسلام أو علماء المؤسسة الرسمية لدولة الخلافة العثمانية على نطاق واسع حيث حيكت المؤامرات وعزل السلاطين باسم الدين وبفتاوى خاصة من العلماء فمثلًا تم عزل السلطان عبد العزيز خان المولود في 1245 هـ الموافق 1830 م تولى السلطنة سنة 1277 الموافق 1861 م وعزل سنة 1293 هـ الموافق 1876 م يذكر لنا محمد فريد بك سبب عزل هذا السلطان:"اقتنع السطان رحمه الله لأن تحالف الدول مع الدولة في حرب القرم وما بعدها لم تكن نتيجته إلا اضعافها بالتدخل في شؤونها الداخلية ومساعدة الطوائف المسيحية الخاضعة لها على الإنشقاق عنها وبث روح الفتن والفساد في ممالكها تحت غطاء الحرية ونشر العلوم وأن كل ذلك يعود بالنفع على الروسيا جارتها القوية وعوتها القديمة لاسيما وقد عدّل الدول بعد الحرب الفرنساوية الألمانية أهم بنود معاهدة باريس التي أبرمت بعد حرب القرم لحفظ التوازن في البحر الأسود وعد مراعاتها عقب ابرامها في حق ولايتي الأفلاق والبغدان فلهذه الأسباب علم جلالة السلطان أن الأولى والأنجح لسياسة الدولة هو التباعد عن الدول الغربية والتحالف مع الروسيا وعضده في هذا الفكر الصدر الأعظم محمود نديم باشا فأكثر السلطان من الإجتماع مع الجنرال اغناتيف سفير الروسيا بالآستانة والمتواتر وإن لم تثبته أوراق رسمية أنهما كانا يسعيان لوضع أساس معاهدة هجومية ودفاعية يكون من أهم بنودها الإختصاص بجميع بلاد الشرق وتتبع الولايات الإسلامية أو التي يغلب فيها العنصر الإسلامي للدولة العلية الإسلامية وضم جميع الأقاليم المسيحية أو التي يسود فيها هذا العنصر للدولة الروسية ولما شاع هذا المشروع لم يرق في أعين الدول الأوربية التي لها مصالح في الشرق وخصوصًا انكلترا فأخذ عمالهم وسفراؤهم الظاهرون والسريون يلقون الوساوس في عقول السذج من أهل الآستانة وينسبون السلطان للتبذير والإسراف وعدم الأهلية لإدارة مهام الملك وربما استعان هؤلاء المغرورون بطرق أخرى المطالع بها أدرى ومازالوا يوسوسون ويلقون بذور الفساد حتى أقنعوا الوزراء يوجوب عزله وأن اقالته من الأعمال واجبة لانتظام الدولة وسيرها على المحور المستقيم وصادفت دسائسهم أذنًا صاغية عند بعض العلماء .. وقبل الشروع في تنفيذ ما صمموا عليه أصدر شيخ الإسلام (حسن خيرالله أفندي) فتوى بوجوب ذلك (عزل السلطان عبد العزيز) وهذا نصها: (إذا كان زيد الذي هو أمير المؤمنين مختل الشعور وليس له إلمام في الأمور السياسية وما برح ينفق الأموال الخيرية في مصارفه النفسانية في درجة لا طاقة للملك على تحملها وقد أخل بالأمور الدينية والدنيوية وشوشها وخرب الملك والملة وكان بقاؤه مضرًا بها: فهل يصح خلعه الجواب يصح كتبه الفقير حسن خير الله عفي عنه) "راجع كتاب تاريخ الدولة العلية العثمانية ص 319 ومابعدها بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت