أظهر الطاغية أن الله يؤيد به الإسلام، ليتألف الجند والشعب ويستميلهم إليه، وكان في ذلك لئيم الكيد، دنئ الحيلة، يهودي المكر؛ فأمر بعمارة المدارس للفقه والتفسير والحديث والفتيا، وبذل فيها الأموال، وجعل فيها الفقهاء والمشايخ، وبالغ في إكرامهم، والتوسعة عليهم، والتخضع لهم، ودخل في ظلال العمائم ... وأحضر لنفسه فقيهين مالكيين (اثنين لا واحد) يعلمانه ويفقهانه، وكان أشبه بمريد مع شيخ الطريقة يتسعد به ويتيمن؛ أشرف ألقابه أنه خادم العمامة الخضراء، وأسعد أوقاته اليوم الذي يقول له فيه الشيخ: رأيتك في الرؤيا ورأيت لك ... !
وكانت هذه المعاملة الإسلامية الكريمة من هذا الطاغية، هي بعينها ربا اللفافة اليهودية في مخه؛ تصلح بإقراض مائة، وفيها نيية الخراب بالستين في المائة ... ! فإنه ما كاد يتمكن من الناس ويعرف إقبالهم عليه وثقتهم به، حتى طلبت اللفافة اليهودية رأس المال والربا؛ فأمرهم بهدم تلك المدارس وإخرابها، وأبطل العيدين وصلاة الجمعة، وقتل الفقهاء وقتل معهم فقيهيه وأستاذيه، وعاد كالمريد المنافق مع شيخ الطريقة، يقول في نفسه: إن هناك ثلاثة تعمل عملًا واحدًا في الصيد: الفخ، والعمامة، واللحية ... !
إن هذا الطاغية ملك حاكم، يستطيع أن يجعل حماقته شيئًا واقعًا، فيقتل علماء الدين بإهلاكهم، ويقتل مدارس الدين بإخرابها، ولو شاء لاستطاع أن يشنق من المسلمين كل ذي عمامة في عمامته. ويبلغ من كفره أن يتبجح ويرى هذا قوة، ولا يعلم أنه لهوانه على الله قد جعله كالذبابة التي تصيب الناس بالمرض، والبعوضة التي تقتل بالحمى، والقملة التي تضرب بالطاعون، فلو فخرت ذبابة، أو تبجحت قملة، أو استطالت بعوضة، لجاز له أن يطنّ طنينه في العالم. وهل فعل أكثر مما تفعل؟
لقد أودى بأناس يقوم إيمانهم على أن الموت في سبيل الحق هو