هكذا استطاع النظام أن يهمش دور الأزهر في المجتمع عبر خطط مدروسة ومنظمة ..
فماذا كانت النتيجة بالطبع لصالح النظام .. ونسوق أمثلة تصداقًا لما نقول:
شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي تولى مشيخة الأزهر مرتين الأولى من (1928 ـ 1929) والثانية من (1935 ـ 1945) : هو تلميذ الشيخ محمد عبده هاجمه شيخ الإسلام مصطفى صبري [1] المتوفى عام 1954 بسبب آراء الشيخ المراغي في
(1) ترجمة الشيخ مصطفى صبري رحمه الله: ظهر هذا العالم الجليل في أواخر عهد الدولة العثمانية والدولة مقبلة على الإنهيار ودعاة التغريب في أوج قوتهم. درس في مسقط رأسه (توقاد) الدراسة الإبتدائية، ثم أخذ في حفظ القرآن الكريم، ومن ثم رحل إلى بلدة قيصرية، وكانت مركزًا للعلوم الدينية. وتلقى دراسة العلوم العقلية والنقلية عن مدرسه الشيخ خوجه أمين أفندي. بعد ذلك انتقل إلى استانبول حاضرة الخلافة الإسلامية. وفي استانبول شد الشيخ مصطفى صبري انتباه مشايخه بحدة ذكائه وبقوة حافظته وعمق تحصيله، وعندما بلغ الثامنة عشرة من عمره أصبح مدرسًا بجامع السلطان محمد الفاتح، وهو منصب مرموق يحتاج إلى جدّ واجتهاد وتحصيل طويل. ثم أصبح أمينًا لمكتبة السلطان عبد الحميد الثاني، وقد لفت انتباه السلطان عبد الحميد إليه بسعة اطلاعه وبتميزه وهو في سن شابة وبين رجال العلم الدينيين في استانبول. عاصمة الخلافة ومقرها. تصدى الشيخ مصطفى صبري بك هؤلاء المفكرين والمسؤولين الذين أنجبتهم حركة التنظيمات العثمانية ومن ثم حزب الإتحاد والترقي التي كانت ترى في الإسلام عقبة كؤودًا ضد التطور وضد حركة التغريب الشاملة للدولة العثمانية. لذلك عاداه أنصار التغريب وهم كثرة في موقع السلطة. كان السبب في هذا العداء السافر الذي أظهره المتغربون ضد الشيخ أنه كان يجاهر بآرائه داعيًا لفكره عمليًا، ينادي به بكل فرصة وفي كل وقت، أما الآخرون من الإسلاميين فلم يكونوا قادرين على التصدي والجهر بالدعوة. تصدى الشيخ مصطفى صبري لدعاة الوقيعة بين العرب وبين الأتراك، وتصدى للدفاع عن مفهوم الإسلام في الحكم. وتصدى أيضًا لحملة واسعة شنها دعاة الفكر الغربي عندما نادوا بخروج المرأة وسفورها. ولم يسلم من حملاته هؤلاء الذين تسموا باسم (المسلمون الجدد) وأجاب في كتابه (المجددون الدينيون) على كل آرائهم. في عام 1922 أجبر الشيخ على مغادرة بلاده، فهاجر إلى اليونان، حيث جمع المسلمين الأتراك في منطقة (تراقيا) الغربية ووحدهم، وأصدر هناك جريدة تركية بالحروف العربية سماها (يارين) أي الغد تفاؤلًا بغد إسلامي مشرق. وأخذ الشيخ من خلال هذه الجريدة في نقد حركة التغريب في العالم الإسلامي، ونقد المجتمع التركي ونقد النطام الكمالي في تركيا الذي عرف باسم الحركة الكمالية نسبة إلى مصطفى كمال أتاتورك. وأخذ يحلل المصائب التي حلت بالعالم الإسلامي وعلى رأسه الدولة العثمانية من جراء أتباع حركة التغريب. ثم سافر إلى مصر ثم الحجاز ثم مصر مرة أخرى حيث استقر في القاهرة. وفي العاصمة المصرية أخذ الشيخ ينادي بأفكاره، بالعودة إلى العمل بالشريعة الإسلامية ويفصل القول في مضار العلمانية، لذلك لم يترك له دعاة الفكر الغربي في مصر وقتًا للراحة. كان الشيخ مصطفى صبري في نظر الكماليين مجرمًا!! أوردوه ضمن قائمة الـ 150 شخصًا غير المرغوب فيهم، لكنه في نظر الإسلاميين الأتراك كان بطلًا .. وبقي الشيخ في مصر إلى أن توفي في القاهرة عام 1954/ توفي شيخ الإسلام مصطفى صبري بعد حياة حافلة بالدفاع عن الفكرة الإسلامية في الحكم والحياة، ولم يعرف المؤرخون عنه أنه خشي انسانًا وقد قال كل آرائه رغم كل الظروف الصعبة التي مرّ بها هو وأسرته في وطنه أو في مهجره. مات بعد أن قال لا لكل المسؤلين والكتاب والرأي العام الذي كان مخالفًا له وقتها. أما أعماله فعشرة مؤلفات باللغتين العربية والتركية أشهرها: (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين) باللغة العربية وصدر في القاهرة في أربعة أجزاء عام 1950 نشرتها دار إحياء الكتب العربية: عيسى البابي الحلبي وشركاه بالقاهرة. نقلًا عن كتاب (العثمانيون في التاريخ الحضارة) بتصرف.
أقول: وللشيخ مصطفى صبري رحمه الله ترجمة أخرى في كتاب الأعلام يقول عنه الزركلي:"مصطفى صبري من علماء الحنفية، فقيه باحث. تركي الأصل والمولد والمنشأ. ولد في (توقات) سنة 1286 هـ الموافق 1869 م وتعلم بقيصرية (في الأناضول) وعين مدرسًا في جامع الفاتح، باستنبول، وهو في الثانية والعشرين من عمره. ثم تولى مشيخة الإسلام في الدولة العثمانية. وقاوم الحركة (الكمالية) بعد الحرب العالمية الأولى. وهاجر إلى مصر، بأسرته وأولاده سنة 1922 م فألف كتبًا بالعربية، منها (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين) أربعة مجلدات، قال في مقدمته، مخاطبًا روح أبيه:"لو رأيتني وأنا أكافح سياسة الظلم والهدم والفسوق والمروق في مجلس النواب وفي الصحف والمجلات قبل عهد المشيخة والنيابة وبعدهما، وأدافع عن دين الأمة وأخلاقها وآدابها وسائر مشخصاتها، وأقضي ثلث قرن في حياة الكفاح، معانيًا في خلاله ألوان الشدائد والمصائب، ومغادرًا المال والوطن مرتين في سبيل عدم مغادرة المبادئ، مع اعتقال فيما وقع بين الهجرتين، غير محس يومًا بالندامة على ما ضحيت به في هذه السبيل من حظوظ الدنيا ومرافقها ــ لأوليتني إعجابك ورضاك"ومن كتبه بالعربية أيضًا (موقف البشر من سلطان القدر) ، و (النكير على منكري النعمة في الدين والخلافة والأمة) ، و (مسألة في ترجمة القرآن) ، و (القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون) ، وله مؤلفات بالتركية طبع بعضها. توفي بالقاهرة سنة 1373 هـ الموافق 1953 م"بتصرف من الأعلام للزركلي/ ج 7/ص 236.