يكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
إلى آخر القصيدة ،،، وأنت تلحظ أن الإنسان إذا مدح من يستحق المدح يجد شيئا يقوله ، لكن عندما يمدح الإنسان أحدًا لا يستحق المدح يقع في مأزق كبير لأنه لا يجد أن الألفاظ أو المعاني تساعده على القول هذا ما كان من شأن الفرزدق و اختصرناه حتى يتبقى وقت للحديث عن جرير ، جرير: هو القِرن العنيد للفرزدق وكان بينهما النقائض -وسيأتي الحديث عنها- أما جرير فكما عُرف الفرزدق بأنه يختار الألفاظ الصعبة ويشتقها حتى قيل: (لولا الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب) فإن جريرًا كان يعمد إلى المعاني المطروحة في الطريق السهلة فيصوغها لينة يستطيع أن يسمعها ويحفظها كل أحد ولهذا رُزق جرير [سيرورة الشعر] معنى [سيرورة الشعر] أيها المبارك عند الأدباء أن الشعر يذيع يشيع وهذا واضح في جرير ولم تعلم -وقد مر عليك يقينًا- أن جريرًا لما هجا [الراعي النميري] بقوله:
فغض الطرف إنك من نمير *** فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
أن هذا البيت سار في أحياء العرب كسريان الناهر في الهشيم ، والقصيد مطلعها:
أقلي اللوم عاذل والعتابا *** وقولي إن أصبت لقد أصابا
إلى أن قال فيها:
فغض الطرف إنك من نمير *** فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
وقبلها قال:
دخلن قصور يثرب معلنات *** ولم يتركن من صنعاء بابا
نعود فنقول إن هذا الرجل كان موفقًا في صياغة الألفاظ ولذلك قال بعض النقاد: (إن جريرًا سحر الناس بمبانيه لا بمعانيه) ، بمبانيه: أي بقدرته على توظيف المبنى والشعر مبنى ومعنى لا بمعانيه: لأن المعاني التي كان يقولها ذائعة شائعة لكنه أُعطي قدرة في توظيف بعضها إلى بعض وهذا هو ماء الشعر الذي يدل أصلًا على براعة الشاعر ،، يقول:
بان الخليط ولو طُوِّعت ما بانا *** وقطعوا من حبال الوصل ألوانا
حيوا المنازل إذ لا نبتغي بدلًا *** بالدار دار ، ولا الجيران جيرانا
يا أم عمر جزاك الله مكرمة *** ردي عليّ فؤادي كالذي كانا