فهرس الكتاب
إن المؤمن الذي يخشى الله حقا لا يحب أن يأثم أحد بسببه ، ولو كان ذلك الآثم فعلها عدوانا وظلما ، كما فعل عثمان رضي الله عنه ، لما منع الناس أن يحموه حتى لا يراق دم بسببه ، فعمر رضي الله عنه استبشر خيرا أن الذي طعنه لم يكن مؤمنا ، ثم قال لابنه عبد الله: اذهب إلى عائشة وقل لها:"أمير المؤمنين يستأذن أن يدفن مع صاحبيه". فذهب عبد الله واستأذن على عائشة فقالت وهي تبكي:"والله لقد كنت أدخره لنفسي -أي المكان- ولأثرن اليوم على نفسي"فذهب عبد الله فدخل على أبيه قائلا: يا أبتاه ابشر بالذي يسرك ، فخاف عمر أن تكون عائشة قد فعلت ذلك حياءًا لأنه حي ، فأوصى ابنه قائلا: يا بني إذا أنا مت وغسلتني وكفنتني فاحملني وقل عمر ابن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه ولا تقل أمير المؤمنين ، يستأذن أن يدفن مع صاحبيه فإني يوم ذاك لست بأمير ، وحتى إذا أرادت عائشة أن تعتذر تعتذر حتى يكون فعلها عن طيب نفس منها ، فحُمل بعد غسله ودفنه ، على أعناق الرجال ثم نودي أن عمر ابن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه ، فأذنت ودفن ، ويقول بعض الرواة والعلم عند الله: أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها بعد أن دفن عمر في حجرتها بنت جدارا ، بينها وبين القبور ، حياءًا من عمر وهو ميت ، قالت: في الأول لم يكن إلا زوجي ووالدي ، أما الآن فزوجي ووالدي ورجل آخر ، تقصد عمر رضي الله عنه وأرضاه ، فإن صحت هذه الرواية وليست ببعيدة أن تصح وأيا كان الأمر فإن المرأة لا ترزق شيئا أعظم من أن ترزق الحياء مع غيرها من الرجال ، لا يمكن أن ترزق المرأة بخصيصة أعظم من خصيصة الحياء مع الرجال ، قال الله جل وعلا عن احدي ابنتي العبد الصالح: (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) .