فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 4814

والله جل وعلا يبتلي قبل أن يمكِّن ، فإذا صبر العبد وأظهر لله جل وعلا الرضا بالمقدور وأذعن لله ولأمره ونهيه بوأه الله جل وعلا منزلة أعلى ودرجة أرفع ، ولهذا دعا الله نبيه ونصحه وندبه إلى الصبر قال { وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ } { وَاصْبِرْ } يقول لنبيه { وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ } وحتى الصبر يطلب من الله يستعين المرء في كل أحواله ، في تربيته لأبنائه ، في صبره على أذى زوجته ، في غير ذلك يصبر لله جل وعلا ، مستعينًا بالله، وقد مرَّ معنا مرارًا في هذا الدرس المبارك وفي غيره ، قلنا: إن رجلا من الصالحين جاءه رجل فطلب منه أن يتزوج ابنته وهو لا يعرفها فوافق فلما أدخلت عليه المرأة فإذا هي عوراء عرجاء فيها شلل ، فيها من كل العاهات فصبر وسكت خمسة عشر عاما لا يكلم أحد أن في زوجته شيء ، فكانت من شدة أن ما بها من الأمراض والعاهات و الأمور تتعلق به لأنه كامل الخلق ، فصارت تمنعه من حبها له وتعلقها به تمنعه حتى أن يذهب إلى أصحابه ثم قليلًا تمنعه حتى من صلاة الجماعة من فرط شغفها به فصلاة يحضر وصلاة لا يحضر وهو يخشى أن يخرج خوفًا أن يجرح مشاعرها لضعفها وأنها محرومة من كل شيء ، فصبر عليها خمسة عشر عامًا، ثم ماتت ، فلما ماتت كان الناس أهل جيله ، أهل حيه يحبونه حبًا جمًا وهم لا يدرون عن هذه القضية كلها ، لكن الله أورث قلوبهم محبته ، فذات يومٍ انفرد به رجل ، واسم هذا الصابر أبو عثمان ، قال: يا أبا عثمان إني سائلك عن مسألة وأخذ عليه الأيمان المغلظة أن يجيبه فوافق ، قال: إنني أرى الله أورثك حب الناس، فما السريرة التي بينك وبين الله حتى أورثك الله هذا الحب ؟ فاعتذر عن الإجابة فلما أقسم عليه وافق ، قال: إنني تزوجت امرأة وذكر له القصة ، فقال: صبرت عليها خمسة عشر عامًا ما كلمت في أمرها أحد من الخلق ، حتى أهلي لا يعرفونها ، فصبرت عليها خشية من أنني لو طلقتها لن يتزوجها أحد ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت