الإنسان ليس منفعلًا، بل هو فاعل، فإذا أراد الإنسان شيئًا تخطَّى كل العقبات، وإذا صمم على شيء تجاوز كل المشكلات، والحقيقة أنّ الكسالى والمقصِّرين، والعصاة يتمسكون بنظرية أن الإنسان منفعل، يقول لك: ظروفي صعبة، وبيئتي سيئة، وما تلقيت تربية جيدة، وما تعلمت، فكل أخطائه يعزوها إلى جهاتٍ خارجةٍ عنه ويستريح.
لكن الحقيقة عكس ذلك، الإنسان فاعل وليس منفعلًا، فهذا الماء منفعل، فإنْ سفحته في منحدر سال نحو الأسفل، وإن سفحته في أرضٍ مستوية تجمَّع بشكلٍ أفقي، وإن أصابته شمسٌ تبخَّر، وهناك قوانين تحكم هذا الماء، فالماء مُنفعل، لكن الإنسان ربما يتحرك بخلاف راحته، وربما يتجاوز كل المثبِّطات في بيئته، وربما يحطم كل عقبةٍ تقف أمامه، ولولا أن الإنسان بهذه الصفة لما كان مكرمًا، لو كان الإنسان منفعلًا كما يتوهَّم بعض الناس لمَا كان له قيمة، فحكُمه عندئذٍ حكمُ الأشياء المادِّية، تتحرك بحسب القوانين، وبحسب المعطيات، لكن الإنسان إذا أراد شيئًا، وصل إليه، ولذلك قال بعض الأدباء: إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره، قلما تنقضه الأيام، إذا كان صادرًا حقًا عن إرادةٍ وإيمان.
أيُعقَل لإنسان في الخامسة والخمسين أنْ يتعلم القراءة والكتابة؟ نعم، إذا كان ذا عزم وبصيرة، أو أنْ يحفظ القرآن الكريم بكامله, أو أنْ يطلب العلم, أو يبدأ بتعلم القراءة والكتاب, وما يموت إلا وهو شيخ الأزهر، أحد شيوخ الأزهر الكبار بدأ تعلُّمه للقراءة والكتابة في الخامسة والخمسين، وحفظ القرآن، وطلب العلم، ومات في السادسة والتسعين، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر، وشيخ الأزهر بمصر، أعلى مرتبة في سُلّم المناصب الدينية في مصر.
فالإنسان إذا أراد شيئًا لا تستطيع قوةُ في الأرض أن تقف أمامه، لأن الله جهّزه تجهيزًا أساسه الصدق، ولأن ربنا عزَّ وجل حينما خلقه في الدنيا, قال له:
(( عبدي، اطلُبْ تُعطَ ) )
قال تعالى: