فهرس الكتاب

الصفحة 688 من 800

في أعقاب غزوة بدر أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم آيات من القرآن ما يرفع شأن المجاهدين أيّما رفعة، يفضلهم على القاعدين، لينشط المجاهد إلى الجهاد، ويأنف القاعد من القعود، فأثّر ذلك في نفس ابن أم مكتوم وعز عليه أن يُحرم من ذلك الفضل, وقال: (( يا رسول الله, لو أستطيع الجهاد لجاهدت، ثم سأل الله بقلب خاشع أن ينزل القرآن في شأنه وشأن أمثاله ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد، -لقد رأى الجهاد شيئًا عظيمًا، وهو ذروة سنام الإسلام، فهو بحكم عاهته إذْ فَقَدَ بصره محرومٌ من هذه العبادة العظيمة، فكان يتألم وكان يبكي، وكان يسأل النبي عليه الصلاة والسلام، أن يسأل ربه أن ينزل قرآنًا في شأن ابن أم مكتوم المعذور، وشأن أمثاله ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد- وجعل يدعو في ضراعة: (( اللهم أنزل عذري، اللهم أنزل عذري، فما أسرع أن استجاب الله لدعائه ) ).

حدث زيد بن ثابت كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: كنت إلى جنب الرسول صلى الله عليه وسلم، فغشيته السكينة، ونزل عليه الوحي، فلما سُرِيَ عنه, قال: اكتب يا زيد، فكتبت:

{لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين}

(سورة النساء الآية: 95)

فقام ابن أم مكتوم, وقال: يا رسول الله, فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ قال: فما انقضى كلامه حتى غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة، ولما سُري عنه، يعني جاءه الوحي مرة ثانية، قال: اقرأ ما كتبته يا زيد، فقرأت لا يستوي القاعدون من المؤمنين، قال: اكتب:

{غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}

(سورة النساء الآية: 95)

-فصار في الآية استثناء، هؤلاء أولو الضرر مستثنون بهذه الآية، فكأن هذا الصحابي الجليل بصدقه وإخلاصه وتمنيه، أن ينزل الله به وبأمثاله المعذورين ما يبرر قعودهم، فاستجاب الله له، ونزلت هذه الآية التي جاءت بعد الآية الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت