و لَقَدْ بُلِيْنَا في هذا الزمان بِقِلَّة المُطَّلِعِيْن على الكُتُبِ ، بل بُلِيْنَا بِكثْرَةِ الكُتُبِ التي تَتَّسِمُ بـ ( الغُثُوْثَة ) ، و لأجلِ ذا كان الانصرافُ عن المُطَالَعة .
و المُطَالَعةُ إذ كانت بذا المُقام ، و تِيْكَ المكانة فإنه لابُدَّ من إضاءةٍ حول نُقْصَانِها في صَفِّ من اشْتَغَلَ في العلم _ طَلَبًَا و تَعْلِيْمًِا _ ، فأقولُ و بربي استعانتي ، و عليه اتّكالِي:
إن الكلامَ على ( المُطَالَعةُ ) سيكون من خلالِ ما يأتي:
الأَوَّلُ: في الأسبابِ المانِعَةِ من المُطالَعة .
لمْ يَكُن انصرافُ طلاَّبِ العلم عن المُطالَعة ، و الاهتمام بها إلا من أسبابٍ حَفَّتْ بها ، و جملتُهَا قسمان:
الأول: أسبابٌ في المُطالِع .
إن أهمَّ الأسباب المانِعَةِ من ( المُطالَعة ) هي ما كان ورودها مِنْ قِبَلِ ( المُطالِع ) ، و إليك طَرَفًَا منها:
الأولُ: ضَعْفُ الهمةِ في ( المُطَالَعة ) .
الثاني: عَدَمُ استشعارِ أهميتها .
الثالث: الجَهْلُ بطرائق ( المُطالَعة ) ، و هما طريقتان:
الأولى: المنهجية في ( المُطَالَعة ) .
فترى بعضًا من القوم يَشْرَعُ في قراءةِ ما وقع في يده من الكتب ، مُهْمِلًا بذلك شأنه و حاله مع الكتابِ المُطالَع .
و ( المُطالَعةُ ) النافعةُ هي ما كان فيها أمران:
الأول: التناسُبُ بين الكتاب و المُطالِع ، و يندرجُ في هذا شيئان:
أولها: التناسب في العقل و الفهم ، فلا يكون في فنٍّ لا يفهمُ أصوله .
ثانيها: التناسبُ في اللغة و العبارة ، فلا يكون الكتابُ ذا لُغَةٍ أكبر من القاريء .
الثاني: يُسْرُ القراءة فيه ، و هذا فيه أمور:
أولها: اليُسْرُ من جهة حُسنِ الطباعة و الإخراج .
ثانيها: اليُسْرُ من جهة المعلومة فيه و اتفاقها مع فهم القاريء .
ثالثها: اليُسْرُ من جهة الزمان و المكان .
فهذَانِ لُبُّ ( المُطالَعةُ ) النَّافِعة ، و بفقدِهما يكون فُقْدانُ المَنْفَعة .