ثم إنه قد فسد الزمان ، حتى صار التعدي على عفاف الأطفال ، منكرًا فاشيًا ، ومرضًا ساريًا ، لا عندنا ، بل في البلاد التي نعدُّ أهلها هم أهل المدنية والحضارة في أوربا وأمريكا .
كان أعداء الحجاب يقولون أن اللواط والسحاق ، وتلك الانحرافات الجنسية سببها حجب النساء ، ولو مزقتم هذا الحجاب وألقيتموه لخلصتم منها ، ورجعتم إلى الطريق القويم . وكنا من غفلتنا ومن صفاء نفوسنا نصدقهم ، ثم لما عرفناهم وخبرنا خبرهم ، ظهر لنا أن القائلين بهذا أكذب من مسيلمة .
إن كان الحجاب مصدر هذا الشذوذ ، فخبروني هل نساء ألمانيا وبريطانيا محجبات الحجاب الشرعي ؟ فكيف إذن نرى هذا الشذوذ منتشرًا فيهم حتى سَنّوا قانونًا يجعله من المباحات ؟
ثم إن أصول العقائد ، وبذور العادات ومبادئ الخير والشر ، إنما تغرس في العقل الباطن للإنسان ، من حيث لا يشعر في السنوات الخمس أو الست الأولى من عمره ، فإذا عودنا الصبي والبنت الاختلاط فيها ، ألا تستمر هذه العادة إلى السبع والثمان ؟ ثم تصير أمرًا عاديًا ينشأ عليه الفتى ، وتشب الفتاة ، فيكبران وهما عليه ؟ وهل تنتقل البنت في يوم معين من شهر معين ، من الطفولة إلى الصبا في ساعات معدودات ، حتى إذا جاء ذلك اليوم حجبناها عن الشباب ؟
أم هي تكبر شعرة شعرة ، كعقرب الساعة تراه في الصباح ثابتًا فإذا عدت إليه بعد ساعتين وجدته قد انتقل من مكانه . فهو إذن يمشي وإن لم تر مشيه ، فإذا عودنا الأطفال على هذا الاختلاط فمتى نفصل بينهم ؟
والصغير لا يدرك جمال المرأة كما يدركه الكبير ، ولا يحس إن نظر إليها بمثل ما يحس به الكبير ، ولكنه يختزن هذه الصورة في ذاكراته فيخرجها من مخزنها ولو بعد عشرين سنة . أنا أذكر نساء عرفتهن وأنا ابن ست سنين ، قبل أكثر من سبعين سنة . وأستطيع أن أتصور الآن ملامح وجوههن ، وتكوين أجسادهن .