فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 930

كما أنه ليس من موضوعية الطرح أن يكرر الدعاة ثناء عائشة ـ رضي الله عنها ـ على سودة بنت زمعة ـ رضي الله عنها ـ مستدلين به على أن المأمول من المرأة أن تتعامل مع التعدد بصورة عقلانية مجردة من العاطفة! بينما يغضون الطرف عن مواقف حياتية كثيرة نقلتها كتب السير والسنن مارست فيها أرجح نساء المؤمنين عقلًا وفهمًا! مارست ضربًا من ضروب الاعتراض العاطفي لمجرد ذكر الرسول ـ عليه السلام ـ لزوجته الأولى ورفيقة الدرب الدعويّ الأول خديجة بنت خويلد ـ رضي الله عنها ـ.

ففي صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:"اسْتأذنتْ هالة بنتُ خويلد - أختُ خديجة - على رسول الله صلى الله عليه وسلم فَعَرفَ استئذانَ خديجة فارْتاح لذلك. فقال:"اللهُمَّ! هالة بنت خويلد"فَغِرتُ فقلتُ: وما تذكرُ من عجوز من عجائزِ قُريشٍ، حمراءَ الشِّدْقين هلكتْ في الدَّهْر فأبدَلك الله خيرًا منها".

كم تحاصرك الدهشة وأنت تتأمل ـ قارئًا ـ اعتراض عائشة الذي لم يكن تلميحًا نسائيًا تستفز فيه زوجة مشاعر زوجها وحسب!

بيد أنه تصريح يبدو لك منه حجم الاندفاع القوي الذي حرم المرأة حتى رهافة حسها، ورقة لفظها ـ تلك اللحظة!

ولو كانت هذه الكلمات: (عجوز، هلكت، خيرًا منها) قيلت عن امرأة حية يغدو إليها الرسول صلى الله عليه وسلم ويروح، بحيث تشتد وطأة الغيرة بين المرأتين لتبددت دهشتك! لكن أن تتفوه أم المؤمنين بهذه الكلمات عن امرأة ماتت! والميت كما تعي عائشة أشد حرمةً من الحي! فإنّ هذا يشير إلى أنها لمست من ـ الطرف الآخر ـ لينًا وسماحة ورحابة أفق وفهم بعيد وعميق لنفسية المرأة وفطرتها! ممّا قد يشعرك بحجم الأمن العاطفي الذي كانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تعيش في ظلاله في بيت الدعوة والعلم والنبوة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت