هذه هي غرفة العناية المركزة..
وسط زحام الأطباء وعبر النافذة الصغيرة التي في باب الغرفة أرى عيني أختي نورة تنظر إلي وأمي واقفة بجوارها..
بعد دقيقتين خرجتْ أمي التي لم تستطع إخفاء دموعها..
سمحوا لي بالدخول والسلام عليها بشرط أن لا أتحدث معها كثيرا...
دقيقتين كافية لك..
كيف حالك يا نورة..
لقد كنتِ بخير مساء البارحة..
ماذا جرى لك..
أجابتني بعد أن ضغطت على يدي: وأنا الآن ولله الحمد بخير..
الحمد لله ولكن يدك باردة..
كنتُ جالسة على حافة السرير ولامستُ ساقها..
أبعدتها عني..
آسفة إذا ضايقتك..
كلا ولكني تفكرت في قول الله تعالى: ( والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق ) عليك يا هناء بالدعاء لي فربما استقبل عن قريب أول أيام الآخرة..
سفري بعيد وزادي قليل.سقطت دمعة من عيني بعد أن سمعت ما قالت وبكيت..
لم أع أين أنا..
استمرت عيناي في البكاء..
أصبح أبي خائفا عليّ أكثر من نورة..
لم يتعودوا هذا البكاء والانطواء في غرفتي....
مع غروب شمس ذلك اليوم الحزين..
ساد صمت طويل في بيتنا..
دخلت عليّ ابنة خالتي..
ابنة عمتي..
أحداث سريعة..كثر القادمون.. اختلطت الأصوات..
شيء واحد عرفته..
(( ((( نورة ماتت.. ) ))) )
لم أعد أميّز من جاء..
ولا أعرف ماذا قالوا.
.يا الله..
أين أنا وماذا يجري..
عجزتُ حتى عن البكاء..
فيما بعد أخبروني أن أبي أخذ بيدي لوداع أختي الوداع الأخير..
وأني قبلتها..
لم أعد أتذكر إلا شيئا واحدا..
حين نظرت إليها مسجاه..
على فراش الموت..
تذكرت قولها ( والتفت الساق بالساق ) عرفت حقيقة أن ( إلى ربك يومئذ المساق ) لم أعرف أنني عدتُ إلى مصلاها إلا تلك الليلة..
وحينها تذكرت من قاسمتني رحم أمي فنحن توأمين..
تذكرت من شاركتني همومي..
تذكرت من نفست عني كربتي..
من دعت لي بالهداية..
من ذرفت دموعها ليالي طويلة وهي تحدثني عن الموت والحساب..
الله المستعان..
هذه أول ليلة لها في قبرها..