قيل لبعض السلف"بم أدركت العلم؟ قال بالمصباح والجلوس إلى الصباح"وقيل لآخر فقال (( بالسفر والسهر والبكور في السحر ) ).. وحكى شيخ الإسلام النووي عن شيخه الإمام الجليل أبي إسحاق المرادي قال"سمعت الشيخ عبد العظيم- رحمه الله- يقول:"كتبت بيدي تسعين مجلدة وكتبت سبعمائة جزءا"قال النووي"قال شيخنا""ولم أر ولم أسمع أحدًا أكثر اجتهادًا منه في الاشتغال، كان دائم الاشتغال في الليل والنهار"."
ولم يكن العلم في ذلك الوقت ميسرًا وسهلًا، بل لا بد من السفر وشد الرحال.. وهذا بطبيعة الحال يتبعه ترك الأهل والأولاد وتحفل التعب والمشاق روي عن الرازي ما يدهش اللب من علو همته في الرحلة لتحصيل العلم إذ قال:
"أول ما رحلت أقمت سبع سنين، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، ثم تركت العدد، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيًا ثم إلى الرملة ماشيًا، ثم إلى طرسوس، ولي عشرون سنة".
سأضرب في طول البلاد وعرضها *** لأطلب علمًا أو أموت غريبا
فإن تلفت نفسي فلله درها *** وإن سلمت كان الرجوع قريبا
والحقيقة أن انتشار العلم كان بفضل الله تعالى ثم بجهد وتعب هؤلاء الرجال الأفذاذ ولعل ذكر الجزء يغني عن ذكر الكل ولو ذكرناه لطال بنا المقام.
ويمتد الخير إلى زمننا، ولا نعدم فيه أصحاب الهمم العالية، رجالًا كانوا أو نساء.. ولنأخذ على ذلك مثالًا من زمننا حيث امتدت زيارتنا إلى إحدى دور القرآن"دار الصالحات"وفيها التقينا بأم الوليد (40 سنة) التي تبقى لها على ختم القرآن بأكمله جزءا واحد فقط،.. وكان لنا معها هذا الحوار:
ما هي الأسباب التي أعانتك على حفظ القرآن وفقك الله ونحن نعلم أن لديك عددًا من الأولاد الصغار المتقاربين في السن كما أنك ربة منزل، ولاتوجد لديك خادمة؟