قال الحافظ: وقد نازع الكرماني في كون الألفاظ الثلاثة أعجمية ؛ لأن الأول يجوز أن يكون من توافق اللغتين ، والثاني يجوز أن يكون أصله: « حسنه » محرف أوله إيجازًا ، والثالث من أسماء الأصوات . وقد أجاب عن الأخير ابن المنيِّر فقال: وجه مناسبته أنه صلى الله عليه وسلم خاطبه بما يفهمه مما لا يتكلم به الرجل مع الرجل ؛ فهو كمخاطبة العجمي بما يفهمه من لغته . قلت: وبهذا يُجاب عن الباقي » [18] .
ولعل هذا الأخير لا يظهر ؛ لأن هؤلاء جميعًا كانوا من العرب .
ويحتمل أن الأول والثالث من قبيل الدارج في لغة العرب الذي صار من جملة الألفاظ المستعملة عند أهل العربية .
وأما الثاني وهو حديث أم خالد فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قاله لهذه الجارية الصغيرة على سبيل الملاطفة والمداعبة لكونها قدمت من الحبشة ؛ والغالب أنها تعرف بعض كلامهم . والله أعلم .
ومما ورد في هذا الباب ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه [19] ، وساقه الذهبي بسنده [20] عن علي رضي الله عنه أنه قال للقاضي شريح وقد حكم في قضية بين يديه فأعجبه حكمه: « قالون » وهي بلسان الروم بمعنى: أحسنت أو جيِّد . ولم يكن شريح روميًا ولا مقيمًا في أرض الروم ، بل كان من كندة في أهل اليمن ، وولي القضاء في الكوفة ستين سنة .
ومن ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة وفيه من لا يُعرف أن أبا هريرة رضي الله عنه أشرف على السوق فقال: سحت وداست [21] .
وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا عن منذر الثوري قال: « سأل رجل ابن الحنفية عن الجبن فقال: يا جارية: اذهبي بهذا الدرهم فاشتري به ينيرًا [22] ، فاشترت به ينيرًا ثم جاءت به » [23] يعني: الجبن .
وذكر القرطبي وعزاه للخطيب عن أبي عبد الملك مولى أم مسكين بنت عاصم بن عمر بن الخطاب قال: أرسلتني مولاتي إلى أبي هريرة فجاء معي ، فلما قام بالباب قال: أندر ؟ قالت: أندرون [24] .