ناصر الزهراني
مكة المكرمة
الشيخ ابن باز
ملخص الخطبة
1-أهمية العمل الصالح. 2- العمل الصالح كل أحد يطيقه لكثرة أعمال الصلاح وتوعها. 3- بعض ما جاء في الحض على أعمال من الخير.
الخطبة الأولى
العمل الصالح ميدان العاملين، وسمة المؤمنين، وديدن الموحدين لا يطمئنون إلا إليه، ولا يتنافسون إلا فيه، ولا يتسابقون إلا عليه، يتفانون في حبه، ويسابقون لكسبه ولا يحيدون عن دربه.
المؤمن يعلم أن الإيمان عمل واعتقاد، ويقين وجهاد، وأنه قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، فلا يغتر بطول الأمل، ولا يركن إلى العجز والكسل. ويعلم أن المؤمن القوي خير من الضعيف، فهو مستعين بالله غير عاجز، حريص على ما ينفعه غير غافل. يعلم أن الجنة حُفّت بالمكاره، وأن النار حفت بالشهوات، وأن التميز والتفاوت هو بالتقوى وإحسان العمل، قال تعالى: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا [الملك:2] .
الإيمان بلا عمل كالجسم بلا روح، والشجر بلا ثمر، وكالمفتاح بلا أسنان. فلا ينفع انتساب للإيمان بلا برهان، ولا قيمة للدعوة بلا حقيقة، ولذلك يقرن القرآن دائمًا بين العمل والإيمان، ليلفت نظر الإنسان أنه لا قيمة لإيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان، قال جل وعلا: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلًا [الكهف:107] . والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر] .
إن تحديد مصير الإنسان يوم القيامة مبني على إحسان العمل أو إساءته، إن أحسن فله الجنة مع الأبرار، وإن أساء فماله إلا النار، قال تعالى: يوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون [الروم:15] .
وقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى للمرسلين: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا إني بما تعملون عليم [المؤمنون:51] .
وقال تعالى للمؤمنين: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون [الحج:77] .
ما أعظم سرور المؤمن بأعماله، وما أسعده يوم القيامة بأفعاله!! وما أشد ندامة المسيء، وأعظم حسرة المفرط!! في موقف لا ينفع فيه الندم ولا تجدي فيه الحسرة، ولا تغني فيه الدمعة. في موقف أمام رب الأرباب يوم يحشر الناس للحساب، ويطير الصواب، ويوضع الكتاب، قال تعالى: ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا [الكهف:49] .
قد يتصور بعض الناس أن الأعمال الصالحة حمل شاق، وأمر مرهق، وميدان ثقيل، وأن لها أناسًا لا يطيقها غيرهم، ولا يتحملها سواهم، فيعرض عن ميدانها، ويصرف نفسه عن أفنانها. فالفقير يتصور أن فرصته في العمل محدودة، ومحاولته مردودة، وأن ذلك من شأن الأغنياء، ومن حظ الأثرياء. والمريض يتصور أنه لا فرصة للعمل إلا مع الصحة، ولا مجال لفعل الخيرات إلا مع العافية. والمقصر والمفرط والمتلبس ببعض المعاصي، يظن أن ذلك عن فعل الخير حائل، وأن ليس له من وراء بحثه على العمل الصالح طائل. فالعمل عندهم وقف على الأولياء، وقصر على الأتقياء، وهذا كله أفق في غاية الضيق، ودلالة على قلة التوفيق، فالمجال مفسوح، والميدان مفتوح، والفرص كثيرة، وأبواب الخير متعددة، ومجالات البر متنوعة، وكل يستطيع أن يأخذ منها بنصيب مهما كان حاله، وأيًا كان وضعه. فقيرًا أو غنيًا، كبيرًا أو صغيرًا، صحيحًا أو سقيما، قويًا أو ضعيفًا، مجتهدًا أو مقصرًا.
قال جندب بن جنادة قلت يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال: (( الإيمان بالله والجهاد في سبيله ) )، قلت: أي الرقاق أفضل؟ قال: (( أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنًا ) )، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: (( تعين صانعًا أو تصنع لأخرق ) )قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: (( تكفّ شرّك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك ) ) [متفق عليه] .
ما أعظمه من حديث، وما أروعها من معانٍ تدل على عظمة هذا الدين وشموليته ويسره وسهولته!!!.
فجاهد نفسك، وأخلص قصدك، وراقب ربك، وأحسن عملك، واعلم أن أفضل الأعمال وأحبها إلى ذي الجلال أن يتقرب إليه بما افترض عليك، وأن تؤدي ما أوجب عليك، ثم تترقى بعد ذلك في درجات التقرب إلى الله، والفوز برضاه، حتى تنال محبته، وتصبح من خاصته وذلك بالإكثار من النوافل وأولئك في الناس قلائل.
يقول: (( إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ) ) [رواه البخاري] .
فيا لها من منزلة عظمى، ودرجة عليا، ومرتبة كبرى!! وفقني الله وإياكم لطاعته، والفوز بمحبته، وأن نكون من أهل خاصته.
وإليك هذا العرض لبعض أبواب الخير وسبل البر، التي دلنا عليها أعظم الناس برًا وأكثرهم خيرًا، وأسبقهم عبادة.
يقول: (( يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ) ) [رواه مسلم] .
وقلا: (( كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، ولك بكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة ) ) [متفق عليه] .
ويقول: (( عرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ) ) [رواه مسلم] .
وأخبر أن امرأةً بغيًا من بني إسرائيل غفر لها بسبب سقيها لكلب كاد يموت من العطش.
ويقول: (( لا يغرس المسلم غرسًا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة ) ) [رواه مسلم] .
ويقول: (( أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعدها إلا أدخله الله بها الجنة ) ) [رواه البخاري] .
ويقول: (( إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن بغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيًا من الذنوب ) ) [رواه مسلم] .
بل إن الأكل والشرب قد يكون من أعمال الخير ويثاب عليه الإنسان: (( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، أو يشرب الشربة فيحمده عليها ) ) [متفق عليه] . (( فاتقوا النار ولو بشق تمرة ) ) [رواه الترمذي] .
اللهم وفقنا إلى صالح الأعمال والأقوال إنك سميع مجيب.
ــــــــــــــــ