فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 114

قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) } [العنكبوت]

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ المُؤمِنينَ بالهِجْرَةِ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ لا يَقْدِرُونَ فيهِ عَلَى إِقَامَةِ الشَّعائِرِ الدِّينِيَّةِ إِلى مَكَانٍ آخَرَ مِنْ أَرْضِ اللهِ الوَاسِعَةِ ، يَسْتَطِيعُونَ فِيهِ إِقَامَةَ شَعائِرِ دِينِهِمْ كَمَا أًَمَرَهُمْ رَبُّهُمْ .

( وَجَاءَ فِي الحَديثِ:"البِلاَدُ بِلاَدُ اللهِ ، وَالعِبَادُ عِبَادُ اللهِ ، حَيْثُما أَصَبْتَ خَيْرًا فإَقِمْ"( أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ ) .

وَأَيْنَمَا كُنْتُمْ يُدْرِككُمُ المَوْتُ ، فَكُونُوا فِي طَاعَةِ اللهِ ، وَحَيْثُ أَمَرَكُمْ اللهُ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، فَالمَوْتُ آتٍ لا مَحَالَةَ ، وَلا مَفَرَّ مِنْهُ وَلا مَهْرَبَ ، ثُمّ تُرْجَعُونَ إِلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَعِنْدَهُ الحِسَابُ والجَزَاءُ .

وَالذِينَ آمَنُوا باللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ ، وَعَمِلُوا بِمَ أَمَرهُمُ اللهُ فَأَطَاعُوهُ فِيهِ ، وانْتَهَوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ ، فإِنّهُ تَعَالى يَعِدُهُمْ وَعْدًا حَقًّا أَنَّهُ سَيُنْزِلُهُمْ في الجَنَّةِ قُصُورًا ، وأَمَاكِنَ مُرتَفِعَةً ( غُرَفًا ) تَجْرِي في أَرْضِها الأَنْهَارُ وَسَيبْقَونَ فِيها خَالدِين ، أَبدًا ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَا عَمِلُوا .وَمَا حَصَلُوا عَلَيهِ مِنْ جَزاءٍ كَرِيمٍ هُوَ نِعْمَ الأَجْرُ لِمَنْ عَمِلَ صَالِحًا .وَهؤُلاءِ العََامِلُون ، الذينَ فَازُوا بِغُرفاتِ الجَنَّةِ ، هُمُ الذِينَ صَبَرُوا عَلَى أَذَى المُشْرِكِينَ ، وَعَلَى شَدَائِدِ الهِجْرَةِ ، وَعَلَى الجِهَادِ في سَبِيل اللهِ ، وَتًَوَكَّلُوا عَلَى رَبِّهِمُ في جَمِيعِ أَعْمَالِهِم .

إن خالق هذه القلوب , الخبير بمداخلها , العليم بخفاياها , العارف بما يهجس فيها , وما يستكن في حناياها . . إن خالق هذه القلوب ليناديها هذا النداء الحبيب:يا عبادي الذين آمنوا:يناديها هكذا وهو يدعوها إلى الهجرة بدينها , لتحس منذ اللحظة الأولى بحقيقتها . بنسبتها إلى ربها وإضافتها إلى مولاها: (يا عبادي) . . هذه هي اللمسة الأولى . واللمسة الثانية: (إن أرضي واسعة) . .

أنتم عبادي . وهذه أرضي . وهي واسعة . فسيحة تسعكم . فما الذي يمسككم في مقامكم الضيق , الذي تفتنون فيه عن دينكم , ولا تملكون أن تعبدوا الله مولاكم ? غادروا هذا الضيق يا عبادي إلى أرضي الواسعة , ناجين بدينكم , أحرارا في عبادتكم (فإياي فاعبدون) .

إن هاجس الأسى لمفارقة الوطن هو الهاجس الأول الذي يتحرك في النفس التي تدعى للهجرة . ومن هنا يمس قلوبهم بهاتين اللمستين:بالنداء الحبيب القريب: (يا عبادي) وبالسعة في الأرض: (إن أرضي واسعة) وما دامت كلها أرض الله , فأحب بقعة منها إذن هي التي يجدون فيها السعة لعبادة الله وحده دون سواه .

ثم يمضي يتتبع هواجس القلوب وخواطرها . فإذا الخاطر الثاني هو الخوف من خطر الهجرة . خطر الموت الكامن في محاولة الخروج - وقد كان المشركون يمسكون بالمؤمنين في مكة , ولا يسمحون لهم بالهجرة عندما أحسوا بخطرهم بعد خروج المهاجرين الأولين - ثم خطر الطريق لو قدر لهم أن يخرجوا من مكة . ومن هنا تجيء اللمسة الثانية: (كل نفس ذائقة الموت . ثم إلينا ترجعون) . .

فالموت حتم في كل مكان , فلا داعي أن يحسبوا حسابه , وهم لا يعلمون أسبابه . وإلى الله المرجع والمآب . فهم مهاجرون إليه , في أرضه الواسعة , وهم عائدون إليه في نهاية المطاف . وهم عباده الذين يؤويهم إليه في الدنيا والآخرة . فمن ذا يساوره الخوف , أو يهجس في ضميره القلق , بعد هذه اللمسات ?

ومع هذا فإنه لا يدعهم إلى هذا الإيواء وحده ; بل يكشف عما أعده لهم هناك . وإنهم ليفارقون وطنا فلهم في الأرض عنه سعة . ويفارقون بيوتا فلهم في الجنة منها عوض . عوض من نوعها وأعظم منها: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار , خالدين فيها) .

وهنا يهتف لهم بالعمل والصبر والتوكل على الله: نعم أجر العاملين , الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون . .

وهي لمسة التثبيت والتشجيع لهذه القلوب , في موقف القلقلة والخوف والحاجة إلى التثبيت والتشجيع .

ثم يهجس في النفس خاطر القلق على الرزق , بعد مغادرة الوطن والمال ومجال العمل والنشاط المألوف , وأسباب الرزق المعلومة . فلا يدع هذا الخاطر دون لمسة تقر لها القلوب:

وكأي من دابة لا تحمل رزقها , الله يرزقها وإياكم . .

لمسة توقظ قلوبهم إلى الواقع المشهود في حياتهم . فكم من دابة لا تحصل رزقها ولا تجمعه ولا تحمله ولا تهتم به , ولا تعرف كيف توفره لنفسها , ولا كيف تحتفظ به معها . ومع هذا فإن الله يرزقها ولا يدعها تموت جوعا . وكذلك يرزق الناس . ولو خيل إليهم أنهم يخلقون رزقهم وينشئونه . إنما يهبهم الله وسيلة الرزق وأسبابه . وهذه الهبة في ذاتها رزق من الله , لا سبيل لهم إليه إلا بتوفيق الله . فلا مجال للقلق على الرزق عند الهجرة . فهم عباد الله يهاجرون إلى أرض الله يرزقهم الله حيث كانوا . كما يرزق الدابة لا تحمل رزقها , ولكن الله يرزقها ولا يدعها .

ويختم هذه اللمسات الرفيقة العميقة بوصلهم بالله , وإشعارهم برعايته وعنايته , فهو يسمع لهم ويعلم حالهم , ولا يدعهم وحدهم: (وهو السميع العليم) . .

وتنتهي هذه الجولة القصيرة ; وقد لمست كل حنية في تلك القلوب ; ولبت كل خاطر هجس فيها في لحظة الخروج . وقد تركت مكان كل مخافة طمأنينة , ومكان كل قلق ثقة , ومكان كل تعب راحة . وقد هدهدت تلك القلوب وغمرتها بشعور القربى والرعاية والأمان في كنف الله الرحيم المنان .

ألا إنه لا يدرك هواجس القلوب هكذا إلا خالق القلوب . ولا يداوي القلوب هكذا إلا الذي يعلم ما في القلوب .

ــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت