فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 114

قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} (43) مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45) [الروم]

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ بالمُبَادَرةِ إلى الاسْتِقَامَةِ في طَاعَتِهِ ، واتّبَاعِ نَهْجِهِ القَوِيمِ ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجيءَ يومُ القِيَامَةِ ، وَهُوَ يومٌ لا رَادَّ لهُ ، وَسَيَقَعُ حَتمًا لا مَحَالةَ . وفي ذلكَ اليومِ يَتَفَرّقُ النّاسُ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ ، فَريقٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ ، وَيَنْعَمُ فِيها بالحَياةِ السَّعِيدَة ، وفَرِيقٌ يَدْخُلُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا .

مَنْ كَفَرَ بِاللهِ تَعَالَى ، وَعَمِلَ السَّيِّئَاتِ فَعَليهِ وَحْدَهُ وِزْرُ كُفْرِهِ ، وآثامُ جُحُودِهِ بِنِعَمِ اللهِ . وَمَنْ آمَنَ باللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ، وَأَطَاعَ الله فِيما أَمَرَ ، وابْتَعَدَ عَمّا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ فَيكُونُ كَمَنْ مَهَّدَ لِنَفْسِهِ الفِرَاشَ وَوَطَّأَهُ ، حَتَّى لا يُقَضَّ مَضْجَعُهُ ، وَيَكُونُ في الآخِرةِ مِنَ الفَائِزينَ ( أَوْ يكُونُ كَمَنْ مَهَّدَ لِنَفْسِهِ طَريقَ الجَنَّةِ ) .

وقال السعدي:"أي: أقبل بقلبك وتوجه بوجهك واسع ببدنك لإقامة الدين القيم المستقيم، فنفذ أوامره ونواهيه بجد واجتهاد وقم بوظائفه الظاهرة والباطنة. وبادر زمانك وحياتك وشبابك، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ } وهو يوم القيامة الذي إذا جاء لا يمكن رده ولا يرجأ العاملون أن يستأنفوا العمل بل فرغ من الأعمال لم يبق إلا جزاء العمال. { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } أي: يتفرقون عن ذلك اليوم ويصدرون أشتاتا متفاوتين لِيُرَوْا أعمالهم."

{ مَنْ كَفَرَ } منهم { فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } ويعاقب هو بنفسه لا تزر وازرة وزر أخرى، { وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا } من الحقوق التي للّه أو التي للعباد الواجبة والمستحبة، { فَلأنْفُسِهِمْ } لا لغيرهم { يَمْهَدُونَ } أي: يهيئون ولأنفسهم يعمرون آخرتهم ويستعدون للفوز بمنازلها وغرفاتها، ومع ذلك جزاؤهم ليس مقصورا على أعمالهم بل يجزيهم اللّه من فضله الممدود وكرمه غير المحدود ما لا تبلغه أعمالهم. وذلك لأنه أحبهم وإذا أحب اللّه عبدا صب عليه الإحسان صبا، وأجزل له العطايا الفاخرة وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة.

وهذا بخلاف الكافرين فإن اللّه لما أبغضهم ومقتهم عاقبهم وعذبهم ولم يزدهم كما زاد من قبلهم فلهذا قال: { إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } ""

وقد جاء هذا التوجيه أول مرة في السورة بمناسبة الكلام عن الأهواء المتفرقة والأحزاب المختلفة . أما هنا فيجيء بمناسبة الشركاء , والرزق ومضاعفته , والفساد الناشئ من الشرك , وما يذوقه الناس في الأرض من ظهور الفساد واستعلائه , وعاقبة المشركين في الأرض . يجيء بهذه المناسبة فيبين جزاء الآخرة ونصيب المؤمنين والكافرين فيها ; ويحذرهم من يوم لا مرد له من الله . يوم يتفرقون فريقين: (من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون) . .

ويمهد معناها يمهد ويعبد , ويعد المهد الذي فيه يستريح , ويهييء الطريق أو المضجع المريح . وكلها ظلال تتجمع وتتناسق , لتصور طبيعة العمل الصالح ووظيفته . فالذي يعمل العمل الصالح إنما يمهد لنفسه ويهييء أسباب الراحة في ذات اللحظة التي يقوم فيها بالعمل الصالح لا بعدها . وهذا هو الظل الذي يلقيه التعبير . وذلك: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات) . . (من فضله) . . فما يستحق أحد من بني آدم الجنة بعمله . وما يبلغ مهما عمل أن يشكر الله على جزء من فضله . إنما هو فضل الله ورحمته بالمؤمنين . وكراهيته سبحانه للكافرين: (إنه لا يحب الكافرين) . .

ــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت