فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 114

!! عمر الحبر يوسف*

هو حديث عن الدنيا، فالدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والحق أني ما كنتُ أحسبه حديثًا، بل كنتُ أظنه أثرًا لأحد الصحابة أو التابعين كذلك الأثر المنسوب إلى سيدنا عمر بن الخطاب: (العدل جنة المظلوم وجحيم الظالم) ، حتى نبهَّني أخ كريم إلى أن الكلام من حديثه صلى الله عليه وسلم وأنه في صحيح مسلم، وإذا بي أجده في رياض الصالحين!

وقد استوقفني هذا الحديث كثيرًا.. فالمؤمن أكبر من أن يُسجن في سجن ولو كانت الدنيا ذلك السجن.. والكافر أشقى من أن تكون له جنة في الدنيا أو في الآخرة، وأي جنة تكون له وهو المعرض عن ذكر ربه فما ينفك يعيش ضنكًا.

نعم المؤمن أكبر من الدنيا، فحقيقة الإيمان المستقرة في قلبه هي الحقيقة التي قامت عليها السموات والأرض، وهي الحقيقة التي تصله بالله جل شأنه مالك الملك ..فما الدنيا ؟

وتزعم أنك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر

إن الذي يُفهم من هذا الحديث الشريف هو أن هناك ثمة مقارنة أو مفاضلة تُعقد بين نعيم ونعيم وجحيم وجحيم، فالمؤمن في الدنيا مع ما أعده الله له من نعيم في الآخرة هو في سجن، والكافر في الدنيا مع ما أعده الله له من جحيم في الآخرة هو في جنة.

وأصبح ما يمُكن أن يفهم به هذا الحديث هو تصوُّر أن ليس للمؤمن في هذه الدنيا من نصيب بل هي سجنهُ، وأن هذه الدنيا خالصة للكافر فهي جنته!!

وأنا لا أسوق هذا الفهم القبيح من باب الإفتراض أو التخيل بل هو فهم واقع متحقِّق عند بعض الناس، حتى جاء من المسلمين من ينصح ابنه بأبيات من الشعر يذمّ له فيها الدنيا ويُزهّده فيها إذْ يقول له:

سُجِنتَ بها وأنت لها تحبُُّ *** وكيف تحبُّ ما فيه سُجنتا ؟

ولم تُخلقْ لتعمرَها ولكن *** لتعبرَها فجِدّ لما خُلِقتا

وإنْ هُدِمَتْ فزدها أنت هدمًا *** وأصلح أمرَ دينكَ ما استطعتا

ولك أن تتصور أخي القارئ الشقاء المقيم الذي يمكن أن يحل بهذه البشرية جميعًا لو عمل ذلك الابن -وعمل معه الناس- بتلكم النصيحة فزاد الدنيا هدمًا!!

إن الأحاديث التي تُزِهدِّ في الدنيا كثيرة، تفيض بها كتب الحديث، والنبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يُشبهِّ حاله فيها بحال الغريب العابر والراكب المسافر، وقد يأمر أصحابه بتمثِّل هذه الحال: (كن في كأنك غريب أو عابر سبيل) ، (مالي وللدنيا؟ ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحتَ شجرة ثم راح وتركها) .

والغاية من مثل هذه الأحاديث هي حمل المؤمن على حال من الصلاح عجيبة؛ ليعيش في الدنيا ولا تعيش فيه، ويأكل منها ولا تأكل منه، يرتفع بإيمانه عن الإخلاد إلى الأرض، ويسمو بروحه وخلقه فلا يرتد إلى أسفل سافلين ويستغني بربه سبحانه عن العالمين.

إن الإيمان منهج حياة، يصل حياة الدنيا بحياة الآخرة.. بل هي حياة واحدة فما الحياة الدنيا إلا ساعة من نهار، وما الموت إلا زيارة للمقابر، وقوم نوح عليه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته من خطيئتهم اغرقوا فادخلوا نارًا - وانظر إلى هذه الفاء-!!

وهذا المنهج فيه سعادة الدارين وهو الضامن لحياة -واحدة- طيبة الزعيم بها: {من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [1] ، فالمؤمن بإيمانه يربح الدنيا والآخرة، والكافر بكفره يخسرهما جميعًا.. خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين. والإنسان في هذه الدنيا مستعمر مستخلف، وصالح عليه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يقول لقومه: {أعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه} [2] ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: (إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون) ، فالدنيا ليست مذمومة في ذاتها وإنمِّا الذم في الاغترار بها وفي جعلها أكبر الهم ومبلغ العلم، أمَّا إذا عمرها صاحبها بصالح العمل فهو الصالح حقًا وهي الطيبة الحلوة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله) .

والناظر في القرآن الكريم يجد أن الإيمان والعمل الصالح موجبان لثواب في الدنيا قبل الآخرة.. مُحقِّقان لمكاسب دنيويَّة يطلبها الناس جميعًا مؤمنهم وكافرهم برّهم وفاجرهم، ومن ذلك التمكين في الأرض وبسط السلطان والنفوذ، فهذا مما يسعى إليه صاحب أي فكرة، فالفكرة -أيًا كانت- لابد لها من قوة تدفع عنها وتحميها والله عزّ وجلّ يقول: {وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} [3] ، وهذا الأمن الذي وجدناه في الآية آنفًا هو المطلب الأول لكل المجتمعات الإنسانية فإذا فُقِد سادت الفوضى واختلَّ النظام وفَسُد الحال، والأمن الحقيقي لا يكون إلا للمؤمن: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [4] .

ومما يطلبه كل الناس كذلك السعة في الرزق والبسط في الخير والبركة في المال والولد، ونوح عليه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لما دعا قومه قال لهم: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا (12) } [5] والله عز وجل يقول: {ولو أنّ أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} [6] ، ويقول عن أهل الكتاب: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} [7] . فالاستقامة على الطريقة موجبة لتنزل بركات السماء.

إن المؤمن يُقبل على الحياة يبتغي إصلاحها.. إن قامت الساعة وفي يده فسيلة لم يقم حتى يغرسها إن استطاع.. يضرب في الأرض ويمشي في مناكبها ابتغاءًا للرزق وحرصًا على النفع يجتهد في ذلك الاجتهاد كلهَّ، لكنه يعلم أن اجتهاده فيما ضُمن وتقصيره فيما طُلب منه دليل على انطماس البصيرة فيه!!

يعلم أن المال ظل زائل، وعارية مسترجعة ويعلم كذلك أن لا حسد إلا في أثنين: رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل أتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار.

يعلم أن الابتلاء يكون بالشر والخير، ويعلم أن الفتنة تكون بالغنى المُطْغِي؛ كما تكون بالفقر المنسي، يعلم أن الإمارة خزي وندامة يوم القيامة إذا لم يقم فيها بحقها فيرغب عنها، ويعلم أن أول السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل فيرغب فيها!!

ومن رحمة الله بنا -معاشر المسلمين- وبالناس جميعًا أنه لم يذكر في كتابه فرعون وهامان وصاحب إبراهيم عليه السلام النمرود دون أن يذكر داؤد وسليمان ويوسف وذا القرنين عليهم السلام جميعًا لئلا يتوهم أن الملك لا يكون إلا لطاغية مستبد كافر!!

ومن رحمته سبحانه بنا كذلك أن جعل في صدر الإسلام الأول رجالًا كأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف إلى جانب عمار وأبي ذر وابن مسعود عليهم الرضوان جميعًا لئلا يُظَّن أن الإسلام حكر على الفقراء المستضعفين!!

إن المؤمن يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدًا، ويعمل لآخرته كأنه يموت غدًا، ولا يكون فارغًا سبهللًا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة.. وعمل الدنيا ذاته ببركة الإيمان يكون عمل آخرة، ألم يقل الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام: (وفي بضع أحدكم صدقة) ؟!.

والمؤمن كذلك لا يعرف علومًا للدنيا وعلومًا للآخرة فكل علم ينفع الإنسان في دنياه وينفع به غيره ويعرف به ربه فهو من علم الآخرة كالطب والفلك والجيولوجيا ونحو ذلك.

إن ديننا لا يعرف فصامًا نكدًا بين دنيا وآخرة، ودين ودولة، وعقل وعلم، ومال وصلاح، وعمل وتوكل.. ونحن لا نكون إلا به.. فهل نحن مُشمِّرون؟

[1] النحل (97)

[2] هود (61)

[3] النور (55)

[4] الأنعام (82)

[5] نوح (12،11)

[6] الأعراف (96)

[7] المائدة (160)

ــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت