فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 114

قال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) } [سبأ]

فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ رَبِي يُعْطِي المَالَ مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لاَ يُحِبُّ وَإِنَّهُ تَعَالى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ لاَ لِمَحَبَّةٍ فِيهِ ، وَلاَ لِزُلْفَى اسْتَحَقَّ بِهَا ذَلِكَ عِنْدَهُ ، وَهُوَ يُضَيِّقُ الرِّزْقَ ( يَقْدِرُ ) عَلَى مَنْ يَشَاءُ لاَ لِبُغْضٍ مِنْهُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَهُ ، وَلاَ لَمَقْتٍ ، وَإِنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ لِحِكَمٍ لاَ يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ هذِهِ الحَقِيقَةَ .

قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ اَمْوَالَكُمُ التي تُفَاخِرُونَ النَّاسَ بِها ، وَأَوْلادَكُم الذِينَ تَسْتَكْبِرُونَ بِهِمْ عَلَى النَّاسِ ، لا تُقرِّبُكُمْ مِنَ اللهِ ، وَليسَتْ دَليلًا عَلَى عِنَايَتِهِ بِكُمْ ، وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا جَزَاءَ عَمَلِهِ فَيَجْزِيهِ بِالحَسَنَةِ عَشَرَةَ أَمْثَالِها إِلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ ، وَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ ، وَيَجْعَلُ مَسْكَنَهُ فِي غُرُفَاتِها العَالِيَةِ ، وَهُوَ آمِنٌ مِنْ كُلِّ خَوْفٍ وَشَرٍّ وَهَوْلٍ .

أَمَّا الذِينَ يَسْعَوْنَ فِي مُعَارَضَةِ آيَاتِ اللهِ ، وَتَعْجِيزِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ الكِرَامِ ، وَيَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ سَبيلِ اللهِ ، وَاتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ الكَرِيمُ ، وَعَن الإِيمَانِ بآياتِ اللهِ والتَّصْدِيقِ بِها . . فأُولئِكَ تُحْضِرُهُمْ مَلاَئِكَةُ العَذَابِ إٍلى جَهَنَّمَ لِيَدْخُلُوها ، وَيَذْوقُوا العَذَابَ فِيها ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ ، وَسَعْيِهِمْ فِي مَنْعِ النَّاسِ عَنِ الإِيمَانِ باللهِ ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ .

إن مسألة بسط الرزق وقبضه ; وتملك وسائل المتاع والزينة أو الحرمان منها , مسألة يحيك منها شيء في صدور كثيرة . ذلك حين تتفتح الدنيا أحيانًا على أهل الشر والباطل والفساد , ويحرم من أعراضها أحيانًا أهل الخير والحق والصلاح ; فيحسب بعض الناس أن الله ما كان ليغدق على أحد إلا وهو عنده ذو مقام . أو يشك بعض الناس في قيمة الخير والحق والصلاح , وهم يرونها محوطة بالحرمان !

ويفصل القرآن هنا بين أعراض الحياة الدنيا والقيم التي ينظر الله إليها . ويقرر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر . وأن هذه مسألة ورضاه وغضبه مسألة أخرى ولا علاقة بينهما . وقد يغدق الله الرزق على من هو عليه غاضب كما يغدقه على من هو عليه راض . وقد يضيق الله على أهل الشر كما يضيق على أهل الخير . ولكن العلل والغايات لا تكون واحدة في جميع هذه الحالات .

لقد يغدق الله على أهل الشر استدراجًا لهم ليزدادوا سوءًا وبطرًا وإفسادًا , ويتضاعف رصيدهم من الإثم والجريمة , ثم يأخذهم في الدنيا أو في الآخرة - وفق حكمته وتقديره - بهذا الرصيد الأثيم ! وقد يحرمهم فيزدادوا شرًا وفسوقًا وجريمة , وجزعًا وضيقًا ويأسًا من رحمة الله , وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الشر والضلال .

ولقد يغدق الله على أهل الخير , ليمكنهم من أعمال صالحة كثيرة ما كانوا بالغيها لو لم يبسط لهم في الرزق , وليشكروا نعمة الله عليهم بالقلب واللسان والفعل الجميل ; ويذخروا بهذا كله رصيدًا من الحسنات يستحقونه عند الله بصلاحهم وبما يعلمه من الخير في قلوبهم . وقد يحرمهم فيبلو صبرهم على الحرمان , وثقتهم بربهم , ورجاءهم فيه , واطمئنانهم إلى قدره , ورضاهم بربهم وحده , وهو خير وأبقى ; وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الخير والرضوان .

وأيًا ما كانت أسباب بسط الرزق وقبضه من عمل الناس , ومن حكمة الله , فهي مسألة منفصلة عن أن تكون دليلًا بذاتها على أن المال والرزق والأبناء والمتاع قيم تقدم أو تؤخر عند الله . ولكنها تتوقف على تصرف المبسوط لهم في الرزق أو المضيق عليهم فيه . فمن وهبه الله مالًا وولدًا فأحسن فيهما التصرف فقد يضاعف له الله في الثواب جزاء ما أحسن في نعمة الله . وليست الأموال والأولاد بذاتها هي التي تقربهم من الله ; ولكن تصرفهم في الأموال والأولاد هو الذي يضاعف لهم في الجزاء:

(وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى . إلا من آمن وعمل صالحًا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون . والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون) . . ثم يكرر قاعدة أن بسط الرزق وقبضه أمر آخر يريده الله لحكمة منفصلة ; وأن ما ينفق منه في سبيل الله هو الذخر الباقي الذي يفيد , لتقر هذه الحقيقة واضحة في القلوب: (قل:إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له . وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) . .

ــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت