علي بن عبد الرحمن الحذيفي
المدينة المنورة
المسجد النبوي
ملخص الخطبة
1-مزرعة الحياة الدنيا. 2- الوسيلة إلى الله تعالى. 3- سبب السعادة والشقاء. 4- عظم أهوال يوم القيامة. 5- حقيقة العمل الصالح. 6- التذكير بالموت.
الخطبة الأولى
أمّا بعد: فاتقوا الله أيّها المسلمون، فتقوى الله تنجِي من عذابٍ شديد، ويهدَى صاحبُها لكلّ أمرٍ رشيد.
عبادَ الله، إنّ الحياةَ الدنيا دار عملٍ للصالحات ودارُ ابتلاء بالسيّئات، مَن أحسن فيها العمل جزاه الله بخيرِ الثواب، ومن أساء العملَ جزاه الله بأليم العذاب، ويتفضّل الله على المحسنين، ويحلم على الجاهلين، ويتقبّل توبةَ التائبين. وجعل الله العملَ الصالحَ وسيلةَ قربى لربّ العالمين، قال الله تعالى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ: 37] ، ومن أساءَ العملَ في الدّنيا وقدِم على ربّه مضيِّعًا للفرائض مقترفًا المحرّمات كافرًا بربّه لا يقبَل الله منه فديةً، ولا يقبَل الله مالًا ولا شفاعة شافِع، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: 91] ، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة: 36، 37] ، وقال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة: 48] والآيات في هذا كثيرة، ومِن النّاس من يخلِط عملًا صالحًا وآخرَ سيّئًا، فتناله الشّفاعة بإذن الله إذا سلِم من الشّرك.
ومِن رحمةِ الله وحكمتِه وقدرته أن جعلَ فعلَ الأعمال الصالحة وتركَ الأعمال المحرّمة سببَ التقرّب إليه وسببَ الدخول في جنّات النعيم والنجاةِ من عذابٍ أليم، ولم يجعل ذلك بسببٍ آخر، قال رسول الله: (( قال الله تعالى: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحَرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبَّه، فإذا أحببته كنتُ سمعَه الذي يسمع به وبصرَه الذي يبصِر به يدَه التي يبطِش بها ورِجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه ) )رواه البخاريّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (1) [1] ، ومعنى قوله تعالى: (( كنت سمعَه الذي يسمَع به وبصرَه الذي يبصِر به ويدَه التي يبطِش بها ورجلَه التي يمشِي بها ) )معنى ذلك أنّ الله تبارك وتعالى يحفَظ على هذا العبد جوارحَه بطاعةِ ربّه والبُعدِ عن معصيتِه فيستعمِله فيما يرضِيه.
أيّها المسلم، لن تسعدَ في الدنيا والآخرة إلاّ بما يوفّقك الله له من العملِ الصّالح والعِلم النّافع، ولن تشقَى إلاّ ببُعدك عن العلمِ النّافع والعمل الصّالح، وربّك جلّ وعلا لن يظلِم أحدًا مثقالَ ذرّة، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40] ، وفي الحديث القدسي: (( قال الله تعالى: يا عبادي، إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثمّ أوفّيكم إيّاها، فمن وجَد خيرًا فليحمدِ الله، ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنّ إلاّ نفسه ) )رواه مسلم من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه (2) [2] .
وليكن همُّك ـ يا عبدَ الله ـ إصلاحَ العمل وحفظ حدودِ الله، فقد جعل الله العمل الصالحَ وقايةً للعبد من كربات الدنيا والآخرةِ، عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( تُدنَى الشمس يومَ القيامة من الخلقِ حتى تكون منهم كمقدار ميل ) )، قال: (( فيكون النّاس على قدرِ أعمالهم في العرق؛ فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى رُكبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجِمه العرق إلجامًا ) )وأشار رسول الله إلى فيه. رواه مسلم والترمذي (3) [3] .
وفي هذا الموطِن يصيب الناسَ من الكرب والشدّة ما لا يقدرون على تحمُّله.
واذكر ـ أيّها المسلم ـ أهوالَ يومِ القيامة حينَ لا يذكُر أحدٌ أحدًا، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ذكرتُ النّار فبكيت، فقال رسول الله: (( ما يبكيك؟ ) )قلت: ذكرتُ النّار فبكيت، فهل تذكرون أهلِيكم يومَ القيامة؟ قال: (( أمّا في ثلاثة مواطن فلا يذكُر أحدٌ أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخفّ ميزانه أم يثقل، وعند تطايُر الصّحف حتّى يعلم أين يقع كتابُه في يمينه أم في شمالِه أم مِن رواء ظهره، وعند الصّراط إذا وضِع بين ظهرَي جهنّم حتى يجوز ) )رواه أبو داود (4) [4] . قال الله تعالى: فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: 33-37] ، يسأل الرجل ولدَه حسنةً واحدة فلا يعطيه، ويسأل الرجلُ زوجته حسنةً فلا تعطيه، ويقول كلّ أحدٍ: نفسي نفسي، ويتمنّى المؤمن لو يلقى الله بعملِ سبعين نبيًّا. وفي الحديث: (( يُؤتَى بجهنّم تُقاد بسبعين ألفَ زمام، في كلّ زمام سبعون ألفَ ملك ) ) (5) [5] ، فلا يبقَى ملكٌ مقرّب ولا نبيّ مرسَل إلاّ جثا على ركبتَيه.
فاستكثر ـ أيّها المسلم ـ مِن العمل الصّالح في هذه الدّار، فليس بعدَ هذه الدّار إلا الجنّة أو النّار.
واعلم أنّ العمل الصالحَ الذي يرضى الله به عن العبدِ وينفعه هو ما كان خالصًا لوجهِ الله، يريد به المسلم وجهَ الله وثوابه، ولا يريد به رياءً ولا سمعة ولا محمَدةَ النّاس وثناءهم ولا عرضًا من أعراض الدّنيا، والشرطُ الثّاني أن يكونَ العمل على هديِ رسول الله ووفقَ سنّته، قال الله تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: 3] ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها قال النبيّ: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ ) ) (6) [6] ، قال الله تعالى: وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة: 105] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر والحكيم، ونفعنا بهدي سيّد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على توفيقه وامتنانه، والشّكر له على فضلِه وإحسانِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنّ نبيّنا وسيّدنا محمّدًا عبده ورسوله الدّاعي إلى رضوانه، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد وعلى آله وصحبِه وإخوانه.
أمّا بعد: فاتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون.
عبادَ الله، لقد أنشأكم [الله عزّ وجلّ] في هذه الدّار، وآتاكم من الأسبابِ والنّعَم ما يعينكم على طاعتِه، ووعَدكم وعدَ الحقّ، وأنتم ترونَ القرونَ والأجيال تمضي إلى ربّها، ولا يرجع أحدٌ إلى الدّنيا، وبالموت ينقطِع العمل، وفي هذا أعظمُ داعٍ إلى المسارعة إلى فعلِ الخيرات وأكبر زاجرٍ عن المحرّمات، قال الله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: 31، 32] ، وفي الحديث: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم نافع أو ولدٍ صالح يدعو له أو صدقة جارية ) ) (7) [1] ، وفي الحديثِ الآخر: (( إذا مات الميّت تبِعه ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقَى واحد، يتبعه أهلُه وماله وعملُه، فيرجع أهلُه وماله، ويبقى عمله ) ) (8) [2] ، إمّا أن يكونَ مؤنسًا له، أو يكون موحِشًا له في قبرِه، قال الله تعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ [الزمر: 55-59] .
فأصلِحوا ـ عبادَ الله ـ ما بينكم وبين ربّكم يصلِح لكم دنياكم وأخراكم، ويصلِح لكم ما بينكم وبين الناس.
عبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] ، وقد قال: (( من صلّى عليّ صلاة واحدةً صلّى الله عليه بها عشرًا ) ).
فصلّوا وسلّموا على سيّد الأوّلين والآخرين وإمام المرسلين.
اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد...
(1) صحيح البخاري: كتاب الرقاق (6502) .
(2) صحيح مسلم: كتاب البر والصلة (2577) .
(3) صحيح مسلم: كتاب الجنة (2864) .
(4) سنن أبي داود: كتاب السنة (4755) ، وأخرجه أيضا أحمد (6/101) مختصرا، وصححه الحاكم (8722) فقال:"هذا حديث صحيح، إسناده على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة، على أنه قد صحّت الروايات أن الحسن كان يدخل وهو صبي منزل عائشة رضي الله عنها وأم سلمة"، وأورده الألباني في ضعيف سنن أبي داود (1018) .
(5) أخرجه مسلم في كتاب الجنة (2842) عن ابن مسعود رضي الله عنه.
(6) أخرجه مسلم في الأقضية (1718) وهو في البخاري بلفظ آخر.
(7) أخرجه مسلم في الوصية (1631) عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
(8) أخرجه البخاري في الرقاق (6514) ، ومسلم في الزهد (2960) عن أنس رضي الله عنه.
ــــــــــــــــ