فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 114

الحمد الله التي بنعمته تتم الصالحات، نحمده حمد الشاكرين الذاكرين حمد أهل الإيمان، أنعم علينا بنعم عظمية وجزيلة، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، نثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك، فلك الحمد على أسمائك الحسنى وصفاتك العلى، ولك الحمد على نعمك الظاهرة، والباطنة، ولك الحمد في الأولى والآخرة، ونصلى ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، النذير البشير، إمام الموحدين، والداعي إلى سبيل رب العالمين، محمد صلى الله عليه وسلم في الأولين، وصلى الله وسلم عليه في الآخرين.

فمن أعظم النعم التي أنعم بها الحق تبارك وتعالى علينا وأهمها نعمة الإيمان فهي القضية المصيرية التي ينبغي للإنسان أن يهتم بها، فهي السعادة الأبدية، إما في الجنة أوعياذًا بالله في النار، هذه النعمة التي نحمده عليها لها ثمار يانعة، وفوائد عظيمة وجليلة يشاهدها كل من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولًا، فثمار هذا الإيمان أكثر من أن تحصى، فهي متعددة ومتنوعة تنوع مواضيع الإيمان فهناك ثمار عامة في الدنيا، وهناك ثمار في حياة الفرد يجدها في نفسه، وهناك ثمار في المجتمع تشعر بها الجماعة المسلمة، وهناك ثمار في الحياة الأخرى، وهناك ثمار خاصة في كثير من قضايا الإيمان كثمار الإيمان بالله - سبحانه وتعالى-، وما يتفرع عنه من ثمار لتوحيد الرب تبارك وتعالى في ربوبيته وألوهيته، والثمار التي يجدها المسلم في توحيد الأسماء والصفات، والثمار اليانعة التي يجنيها المسلم بالإيمان بالرسل الكرام، وثمار الإيمان بالكتب، وثمار الإيمان بالملائكة، وثمار محبة الصحابة الكرام، وغيرها كثير من الثمرات التي يقطفها المسلم في الدنيا والآخرة.

فالإنسان الجدير بالحياة الذي ينعم بهذه الثمار هوالذي آمن بربه، وعرف غايته، وتبين مصيره، وأيقن بمبعثه، فعرف لكل ذي حق حقه، فلا يغمط حقا، ولا يؤذي مخلوقا، فعاش عيشة السعداء، ونال الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ?مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوأُنثَى وَهُومُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ? [النحل:97] . هذه الحياة الطبية في الدنيا، أما في الآخرة فله المساكن الطيبة في جنات عدن قال سبحانه: ? وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ? [الصف:12] .

وتسهيلًا للبحث يمكن أن نقسم الثمار إلى قسمين: ثمار عامة يجنيها المؤمن في الدنيا والآخرة، وثمار خاصة يجنيها المؤمن في كثير من قضايا الإيمان كما ذكرنا سابقًا ، سواء كانت ثمار تعود على الفرد أوالمجتمع.

أولًا: الثمار العامة:

وتشمل ثمار الإيمان في الحياة الدنيا، وثمار الإيمان في الحياة الآخرة، وأول ما نبدأ به من الثمار:

ثمار الإيمان في الحياة الدنيا:

فللإيمان ثمار يانعة ونتائج طيبة يجنيها المؤمن في الحياة الدنيا، من أهم هذه الثمار:-

1-الهداية للحق:قال الله تعالى: ? وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ? [الحج:47] . فالهداية من الله - عز وجل - أحق الناس بها هم أهل الإيمان فهم المستحقين للهداية والتوفيق من رب العالمين، وهذه الثمرة ثمرة الهداية من أعظم وأجل الثمار التي يجنيها المؤمن في هذه الحياة.

2-الحياة الطيبة: قال الله تعالى: ? مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوأُنْثَى وَهُومُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً? [النحل:97] .

يقول ابن كثير:"هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا؛ وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله،، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت".

ففي الآية شرط وجواب فشرط الحياة الطيبة لكل ذكر وأنثى الإيمان والعمل الصالح.

3-الولاية: قال تعالى: ?اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا ? [ البقرة:256] .

فهو النصير والمعين لأهل الإيمان يتولاهم بعونه، ولا يكلهم إلى غيره سبحانه يقول ابن جرير في معنى الآية:"نصيرهم وظهيرهم ويتولاهم بعونه وتوفيقه".

ومنه قوله تعالى: ?ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى? [ محمد:11] .

فلكي تستحق الولاية لا بد من الإيمان.

4-الرزق الطيب: قال تعالى: ? وَلَو أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف:96] .

فمن الثمار التي يجينها أهل الإيمان البركات التي يجدونها في أرزاقهم، مع تيسير الخير لهم، وإن كان بعض أهل التفسير قصر البركات من السماء والأرض على المطر والنبات؛ لكن حملها على العموم هو الأقرب.

يقول الإمام الشوكاني: ? لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ? أي يسرنا لهم خير السماء والأرض كما يحصل التيسير للأبواب المغلقة بفتح أبوابها، قيل المراد بخير السماء: المطر، وخير الأرض النبات والأولى حمل ما في الآية على ما هو أعم من ذلك....

5-العزة: قال تعالى: ?وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ? [ المنافقون:8] .

6-النصر على الأعداء، قال تعالى: ? وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ? [ الروم:47]

فالنصر على الأعداء والظفر بهم من أهم ثمار الإيمان في الدنيا فما أعظم هذه الثمرة وما أحوجنا إليه اليوم ونحن نعيش في مرحلة من الهزيمة والذل لم تعهده أمة الإسلام نسأل الله السلامة والعافية، وهذا النصر والظفر وعد من الذي لا يخلف الميعاد قال الشوكاني:"هذا إخبار من الله سبحانه بأن نصره لعباده المؤمنين حق عليه، وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، وفيه تشريف للمؤمنين ومزيد تكرمة لعباده الصالحين".

ويقول سبحانه وتعالى: ?إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ? [غافر:51] . فهذه بشارة لأهل الإيمان بالنصر على الأعداء.

وقال سبحانه: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ? [محمد:7] .

7-الدفاع: قال تعالى: ? إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوا ? [الحج:38] .فالله - عز وجل - هو المدافع عن أهل الإيمان ،بل يعلن الحرب على من يعاديهم فعن أبي هريرة- رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه...".

8-عدم تسليط الكافرين: قال تعالى: ? وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ? [النساء:141] .

9-التمكين والاستخلاف في الأرض: قال تعالى: ?وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ? [النور:55] .

فمن الثمار العظيم التي تحصل لأهل الإيمان التمكين لهم، فلاستخلاف في الأرض والتمكين لهم وجعلهم أئمة الناس والولاة عليهم، وخضوع البلاد لهم لمن أعظم ثمار الإيمان؛ لأن به تصلح البلاد ويحصل الأمن للناس، وقد حصل هذا للرسول صلى الله عليه وسلم ولمن جاء بعده من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، قال تعالى: ? وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ? [الأنفال:26] .

فهم حققوا الإيمان فتحقق لهم الوعد، وهذا الوعد عام يعم جميع الأمة بشرط الإيمان والعمل الصالح، قال الشوكاني:"وهذا وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات بالاستخلاف لهم في الأرض لما استخلف الذين من قبلهم من الأمم وهو وعد يعم جميع الأمة، وقيل هو خاص بالصحابة ولا وجه لذلك فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم بل ويمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة، ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله فقد أطاع الله ورسوله".

فالمؤمن الجدير بالحياة هو الذي آمن بربه، وعرف غايته، وتبين مصيره، وأيقن بمبعثه، فعرف لكل ذي حق حقه، فلا يغمط حقا، ولا يؤذي مخلوقا، فعاش عيشة السعداء، ونال الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ? مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَو أُنْثَى وَهُو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ? [النحل:97]

فهذه جملة من ثمار الإيمان في الحياة الدنيا، شرطها الإيمان وتحقيقه في النفوس والعمل الصالح، وهذه الثمار تتحقق للفرد والجماعة المسلمة ، وعدم تحقق هذه الثمار اليوم في المجتمع المسلم يرجع إلى ضعف الإيمان أو فقد بعض صفات الإيمان؛"فمن ضعف إيمانه أو فقد بعض صفات الإيمان لم تتحقق له هذه الثمار، كما هو مشاهد اليوم في حال المسلمين. ويوم يعود المسلمون إلى الله تعالى عودة صادقة، ويجددون إيمانهم ويثبتونه سيجنون هذه الثمار العظيمة إلى جانب ما ينتظرهم من الفوز العظيم في الدار الآخرة".

ثانيًا: ثمار الإيمان في الحياة الآخرة:

للإيمان في الحياة الآخرة ثمارت ينالها المؤمن بما قدمه في الحياة الدنيا من عمل صالح هذه الثمرات جاءت في ثنايا كثير من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم نذكر طرفًا منها على وجه الإيجاز:

1-الخاتمة الحسنة: فهي أول الثمار التي يلقها المؤمن وهو في طريقه إلى عالم الآخرة حيث تحسن خاتمته ويموت ميتة حسنة، وتحصل له جملة من الثمار من نزول الملائكة بالبشارة لهم بالأمن وعدم الخوف، والبشارة بالجنة، والنعيم المقيم...قال تعالى: ? الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ? [النحل:32] .

قال ابن جرير:"كذلك يجزي الله المتقين الذين تقبض أرواحهم ملائكة الله وهم طيبون بتطييب الله إياهم بنظافة الإيمان وطهر الإسلام في حال حياتهم وحال مماتهم", فهم مؤمنون طاهرون من الشرك كذا قال البغوي.

وقال سبحانه: ? إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ*نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ? [فصلت:30-31] .

لما ذكر الحق تبارك وتعالى عقاب الكافرين وما أعده لهم ذكر في هذه الآية حال المؤمنين وما أنعم عليهم به فقال: ? إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ? أي وحده لا شريك له ? ثُمَّ اسْتَقَامُوا ? على التوحيد ولم يلتفتوا إلى إله غير الله حصل لهم كرامات من نزول الملائكة بالبشارة لهم عند الموت ، وحصول الأمن لهم وعدم الخوف ، والتبشير بالجنة ، والولاية لهم في الدنيا والآخرة.

2-التثبيت عند السؤال في القبر:

قال تعالى: ? يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ? [إبراهيم:27] .

فهذه الآية وردت على القول المشهور في سؤال الملكين في القبر، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال وتثبيته إياه على الحق.

فالثبات حاصل لأهل الإيمان في الحياة الدنيا على القول الحق وهي شهادة التوحيد،وهو حاصل لهم في الآخرة عند القبر فهو أول منازل الآخرة.

يقول الألوسي:"في قوله تعالى: ? وَفِي الْآخِرَةِ ? أي بعد الموت وذلك في القبر الذي هو أول منزل من منازل الآخرة وفي مواقف القيامة فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم هناك ولا تدهشهم الأهوال".

فمن مظاهر التثبيت ما ورد في الصحيح عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قولُ اللهِ: ? يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ?".

والمؤمن يثبت عند السؤال من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقال له وما دينك؟ يقول: ديني الإسلام: ويثبت عندما يقال له: ومن نبيك؟ يقول: نبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما ورد ذلك عن البراء بن عازب - رضي الله عنه-.

3 -التوسعة في القبر:

فالمؤمن يوسع له في قبره ويرى مكانه من الجنة وذلك بعد سؤال الملكين له وثباته في الجواب، فقد جاء في حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"... فينادى مناد في السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره...".

4 -الأمن من الفزع الأكبر:

قال تعالى: ? لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ? [الأنبياء:103] .

أختلف أهل التفسير في المراد بالفزع على عدة أقوال: فقيل: وقوع طبق جهنم عليها، وقيل: النفخة الأخيرة . وقيل: الأمر بأهل النار إلى النار، وقيل: ذبح الموت ، وقيل: إذا نودي ? قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ? [ المؤمنون:108] ، وقيل: ? يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء? [الأنبياء:104] .

وقيل: أهوال يوم القيامة من البعث والحساب والعقاب، وقيل: المراد الموت، وأياُ كان الفزع الأكبر فأهل الإيمان آمنون منه ، لا يحزنهم فقد نجوا منه ، وتستقبلهم الملائكة يهنئونهم ويقولون لهم: هذا ما كنتم توعدون به في الدنيا وتبشرون.

يقول سيد وهو يتحدث عن النار:"وهي تسري وتحرق، وتحدث ذلك الصوت المفزع, وإنه لصوت يتفزع له الجلد ويقشعر ، ولذلك نجي الذين سبقت لهم الحسنى من سماعه فضلًا على معاناته نجوا من الفزع الأكبر الذي يذهل المشركين ، وعاشوا فيما تشتهي أنفسهم من أمن ونعيم ، وتتولى الملائكة استقبالهم بالترحيب ، ومصاحبتهم لتطمئن قلوبهم في جو الفزع المرهوب".

فما أعظم هذه الثمرة لأهل الإيمان! ثمرة النجاة والأمن من الفزع الأكبر اللهم آمنا من الفزع الأكبر، وجعلنا من الآمنين يارب العالمين.

5 -الوقاية من شر يوم القيامة:

أهل الإيمان آمنون من الشر المستطير في ذلك اليوم العظيم من بأسه وشدته وعذابه وأهواله فهو أشد الأيام وأطولها في البلاء والشدة قال تعالى: ? فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا? [الإنسان:11] .

يقول تعالى:"مخبرا عن هؤلاء القوم - المطعِمين- أنهم يقولون لمن أطعموه من أهل الفاقة والحاجة: ما نطعمكم طعاما نطلب منكم عوضا على إطعامنا لكم جزاء ولا شكورا، ولكنا نطعمكم رجاء منا أن يؤمننا ربنا من عقوبته في يوم شديد هوله، عظيم أمره، تعبِس فيه الوجوه من شدّة مكارهه، ويطول بلاء أهله، ويشتدّ".

فهذا هو يوم الأمن والرخاء والنعيم اللين الرغيد جزاء هؤلاء القائمين بالعزائم والتكاليف ، الخائفين من اليوم العبوس القمطرير، الخيرين المطعمين على حاجتهم إلى الطعام ، يبتغون وجه الله وحده ، لا يريدون شكورًا من أحد ، إنما يتقون اليوم العبوس القمطرير.

6 -الحساب اليسير وإعطاء الكتاب باليمين:

قال تعالى: ? فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ*فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا*وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ? [الانشقاق:7 -9] .

فالناس يوم القيامة على صنفين أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال فأهل الإيمان هم أصحاب اليمين فصاحب الإيمان يأخذ كتابه بيمنه، ويحاسب حسابًا يسيرًا؛ وهو العرض فقط دون مناقشة، كما في حديث عائشة رضي الله عنها وسيأتي قريبًا.

بخلاف المشرك الذي يأخذ كتابه بشماله ويدعو بالثبور والهلاك، وأهل الإيمان هم أهل السرور الآجل عندما ينقلبون إلى أهلهم، وهذا من تمم النعمة عليهم.

يقول سيد:"والذي يؤتى كتابه بيمينه هو المرضي السعيد، الذي آمن وأحسن، فرضي الله عنه وكتب له النجاة، وهو يحاسب حسابًا يسيرًا، فلا يناقش ولا يدقق معه في الحساب، والذي يصور ذلك هو الآثار الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وفيها غناء."

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من حوسب عذب", قالت عائشة: فقلت أوليس يقول الله تعالى: ?فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ? [الانشقاق:8] . قالت فقال:"إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك".

وعنها كذلك قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: « اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا » ، فلما انصرف قلت: يا رسول الله ، ما الحساب اليسير؟ قال: « أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك » ،.

فالمؤمنون الصادقون، يحاسبون حسابًا يسيرًا سهلًا، بأن تعرض أعماله على خالقهم- سبحانه وتعالى- ثم يكون التجاوز عن المعاصي، والثواب على الطاعة، بدون مناقشة أو مطالبة بعذر أو حجة.فيحصل لهم بهذا السرور.

7 -النجاة من النار:

قال تعالى: ? ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ? [مريم:72] .

فمن أعظم النعم التي ينعم بها أهل الإيمان في الآخرة النجاة من النار وهولها والفوز بالجنة فهذا من أعظم الفوز كما قال الحق تبارك وتعالى: ? فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ? [آل عمران:185] .

ثم تتوالى على أهل الإيمان النعم في هذا اليوم الرهيب والعظيم.

8 -النور الذي يكشف الطريق الموصلة إلى الجنة:

قال تعالى: ? يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ? [الحديد:12] .

يقول ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عن المؤمنين المتصدقين: أنهم يوم القيامة يسعَى نورهم بين أيديهم في عَرصات القيامة، بحسب أعمالهم، كما قال عبد الله بن مسعود في قوله: ?يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ? قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم مَن نوره مثل الجبل، ومنهم مَن نوره مثل النخلة، ومنهم مَن نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورًا مَن نوره في إبهامه يتَّقد مرة ويطفأ مرة.

وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:"من المؤمنين من يضيء نُوره من المدينة إلى عَدن أبين وصنعاء فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه".

فهذا النور دليل لهم في طريقهم إلى الجنة كما قال مقاتل.

"فهؤلاء هم المؤمنون والمؤمنات نراهم، ولكننا نرى بين أيديهم وبأيمانهم إشعاعًا لطيفًا هادئًا، ذلك نورهم يشع منهم ويفيض بين أيديهم، فهذه الشخوص الإنسانية قد أشرقت وأضاءت وأشعت نورًا يمتد منها فيرى أمامها ويرى عن يمينها . ..".

9 -استقبال الملائكة بحفاوة:

قال تعالى: ? وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ? [الزمر:73]

وقال تعالى: ? وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ*سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ? [الرعد:23-24] .

10 -الخلود في الجنة:

قال تعالى عن المؤمنين: ? أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:10-11] .

وقال تعالى: ? وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ? [الأعراف:42] .

11-ألوان مختلفة من النعيم في الجنة:

1-من الأزواج المطهرة:

قال تعالى: ... ? وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ? [البقرة:25] .

2 -والرضوان والنعيم المقيم:

قال الله تعالى: ? يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ? [التوبة:21] .

3-المساكن الطيبة:

قال تعالى: ?يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ? [الصف:12] .

4-ينزع الله الغل من صدورهم:

قال تعالى: ? وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ? [الأعراف:43] .

5-النظر إلى وجه الله:

قال تعالى: ?لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ? [يونس:26]

وفي صحيح مسلم تفسير هذه الزيادة بالنظر إلى الله عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم:""جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن"."

6-يحلون أساور من ذهب ويلبسون ثيابًا خضرًا من سندس وإستبرق:

قال تعالى: ? أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ? [الكهف:31] .

7-الرزق المعلوم: قال تعالى: ? أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ*فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ*فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ? [الصافات:41-43] .

8-الظلال والعيون والفواكه الشهية:

قال تعالى: ? إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ*وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ*كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ? [المرسلات:41-43] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت