فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 114

تمهيد: في معنى العمل الصالح.

الصلاح ضد الفساد، والعمل الصالح ضد العمل الفاسد، ولكن من الذي يحدد العمل الصالح من العمل الفاسد؟ من الذي له حق الحكم عل عملٍ مَّا بأنه صالح أو فاسد؟ أهم بشر؟ مَن مِن البشر؟ إنه لو أعطى هذا الحق للبشر لتباينت آراؤهم وأحكامهم، ولحكم بعضهم على عملٍ مَّا بأنه صال، وحكم آخرون على نفس العمل بأنه فاسد ومن الذي يفصل في نزاع الفريقين؟

ذلك ترى أنواعًا من السلوك وأنماطًا من النشاطات، تعد جرائم عند قوم يعاقَب عليها مرتكبها عندهم، وتجد نفس تلك الأنواع والأنماط حلالًا ومزايا، يدعى إليها ويثنى على فاعلها عند قوم آخرين، والأرض مملوءة بذلك.

ولنضرب لذلك مثالًا واحدًا يتضح به المطلوب:

الحرية الفردية في الاقتصاد، التي هي أساس في معسكر الدول الغربية: الولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوروبا، كل فرد له الحق أن يملك ما يشاء من الأموال فأباحوا الملكية الفردية إباحة مطلقة، فله أن يملك ما ينتفع به من ملابس وأوانٍ وأثاث منزلي وغيرها مما يحتاج إليه الفرد لنفسه، وله أيضًا أن يملك ما يشاء من المرافق والوسائل التي تنتج الأشياء المستهلكة، ليبيعها من غيره، كالآلات والأراضي والمواد الخام بدون استثناء.

وهو حر في سعيه لجمع المال بوسائله، ينتج ما يشاء ويبيع بالسعر الذي يريده، يتفق مع المشتري والأجير بكامل حريتهم، وفائدته الذاتية هي الدافع المحرك الأول له في الإنتاج والسعي دون التفات إلى منافع غيره، وذلك كفيل عندهم أن تنال الجماعة مصالحها من خدمة الأفراد الذين أعطيت لهم تلك الحرية ... وهم يتنافسون فيما بينهم، وليس للدولة أن تتدخل في حرية تجارة الأفراد وسبل إنتاجهم وأساليب تعاملهم مع غيرهم.

هذه الحرية في الملكية الفردية هي منشأ جميع الشرور والمفاسد في الأرض عند ذوي المعسكر الشرقي الاشتراكي، كروسيا-قبل انهيار الاتحاد السوفييتي- والصين ومن في فلكهم، فلم يبيحوا للفرد إلا ما يحتاجه لمنافعه الشخصية، كالأواني والملابس وأثاث المنزل ونحوها. وما عدى ذلك من الأرض والآلات وغيرها مما تنتج الثروات فلا حق للأفراد فيها، لأن الفرد إذا تمكن من ذلك استعبد غيره من الكادحين، لذلك يجب أن تتدخل الدولة في ذلك وتعتبره جريمة وفسادًا يجب أن يستأصل من الأرض ... [راجع الأسس الاقتصادية للمودودي] فالملكية الفردية في المعسكر الرأسمالي صلاح يجب أن يحمى، وفي المعسكر الشرقي فساد يجب أن يستأصل.

وإذا تأملنا تاريخ البشرية وجدنا كل أمة أو كل قوم يدعون أنهم مصلحون، ويصفون من يخالفهم بالفساد في كل النشاطات الإنسانية: العقدية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. الشرك هو الحق عند أكثر الأمم في الأرض، والتوحيد بدعة يجب أن تحارب:

(( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) ) [ص: 5]

(( قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ) ) [هود: 87] .

(( وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ) ) [غافر: 26]

(( ... قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) ) [غافر: 29]

(( قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى) [طه: 63]

(( ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون، وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) ) [الأعراف: 80-82]

(( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) ) [البقرة: 11-12] .

وهكذا تجد الناس في تخبط واضطراب وتباين، كل قوم يدعون أنهم هم المصلحون وغيرهم مفسدون.

فمن الذي يحدد العمل الصالح ويكون صالحًا فعلًا في كل زمان ومكان ولكل قوم في هذه الأرض؟

إنه الله سبحانه وتعالى، وقد حدد الأعمال الصالحة في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، في العقيدة والعبادة والسلوك وفي كل مجال من مجالات الحياة، وبيّن سبحانه أن كل من حاد عمّا أمر به ودعا إليه فهو خاسر في الدنيا والآخرة.

كما قال تعالى: (( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ) [سورة العصر] .

وقد أجمل الله سبحانه وتعالى أصول الإيمان والعمل الصالح على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور، واستنبط العلماء نصوص الكتاب والسنة للعمل الصالح، شرطين:

الشرط الأول:

الإخلاص لله تعالى، كما قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ) ) [البينة: 5]

والنصوص الواردة في الإخلاص من الكتاب والسنة كثيرة جدًا [راجع على سبيل المثال أول باب في كتاب رياض الصالحين للإمام النووي] .

والشرط الثاني:

اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث يكون العمل مطابقًا لما جاء به من عند الله وليس مخالفًا له.

كما قال تعالى: (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم [/color] ) ) [آل عمران: 31]

والنصوص الواردة في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة جدًا أيضًا في الكتاب والسنة، فلا يكون العمل صالحًا إلا إذا كان مرادًا به وجه الله وموافقًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والعمل الصالح هو كل ما يرضي الله تعالى من أعمال القلب واللسان والجوارح، كالعبادة [راجع المبحث الثاني من الفصل الأول في معنى العبادة] .

وكل ما لا يرضي الله تعالى فهو عمل فاسد. فالميزان إذًا للعمل، أهو صالح أم فاسدٌ، هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

موقع الروضة الإسلامي..

ــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت