قال تعالى: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) } [السجدة]
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى أَنَّهُ لاَ يَسْتَوِي فِي حُكْمِهِ يومَ القِيَامَةِ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا باللهِ مُتَّبِعًا رَسُولَهُ ، مَعَ مَنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ اللهِ ( فَاسِقًا ) ، مُكَذِّبًا رُسُلَهُ .
أَمَّا الذِينَ آمَنُوا باللهِ وَرُسُلِهِ ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَ اللهُ ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ . . فَهؤلاءِ لَهُمْ الجَنَّاتُ التِي فِيها المَسَاكِنُ ، والدُّورُ ، وَالغُرَفُ العَالِيَاتُ ( جَنَّاتُ المَأْوَى ) يَحُلُّونَ فِيها نُزَلاَءَ فِي ضِيَافَةٍ وَكَرَامَةٍ ، جَزَاءً لَهُمْ مِنَ اللهِ تَعَالى عَلَى إِيمَانِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ ، وَصَالِحِ أَعْمَالِهِمْ .
وَأَمَّا الذِينَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ ( فَسَقُوا ) وَكَفَرُوا بِهِ وَبِرُسُلِهِ ، واجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ . . فَإِنَّ مَأْوَاهُمْ سَيَكُونُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، وَكُلَّما حَاوَلوا الخُرُوجَ مِنَ النَّارِ يُرَدُّونَ إليها ، وَيُقَالُ لَهُمْ تَوْبِيخًا وَتَقْرِيعًا: ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ ، بِمَ كُنْتُم تُكَذِّبُونَ بِهِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا ، وَلا تَعْتَقِدُونَ أَنَّكُمْ صَائِرُونَ إِليهِ .
وما يستوي المؤمنون والفاسقون في طبيعة ولا شعور ولا سلوك , حتى يستووا في الجزاء في الدنيا وفي الآخرة سواء . والمؤمنون مستقيمو الفطرة متجهون إلى الله , عاملون على منهاجه القويم . والفاسقون منحرفون شاردون مفسدون في الأرض لا يستقيمون على الطريق الواصل المتفق مع نهج الله للحياة , وقانونه الأصيل . فلا عجب إذن أن يختلف طريق المؤمنين والفاسقين في الآخرة , وأن يلقى كل منهما الجزاء الذي يناسب رصيده وما قدمت يداه .
(أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى) التي تؤويهم وتضمهم (نزلا) ينزلون فيه ويثوون , جزاء (بما كانوا يعملون) . .
(وأما الذين فسقوا فمأواهم النار) . . يصيرون إليها ويأوون . ويا سوءها من مأوى خير منه التشريد ! (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) وهو مشهد فيه حركة المحاولة للفرار والدفع للنار . (وقيل لهم:ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) . فهو التقريع زيادة على الدفع والتعذيب .
ذلك مصير الفاسقين في الآخرة . وليسوا مع هذا متروكين إلى ذلك الموعد . فالله يتوعدهم بالعذاب في هذه الدنيا قبل عذاب الآخرة: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) . .
لكن ظلال الرحمة تتراءى من وراء هذا العذاب الأدنى ; فالله سبحانه و تعالى لا يحب أن يعذب عباده إذا لم يستحقوا العذاب بعملهم , وإذا لم يصروا على موجبات العذاب . فهو يوعدهم بأن يأخذهم بالعذاب في الأرض (لعلهم يرجعون) . . وتستيقظ فطرتهم , ويردهم ألم العذاب إلى الصواب . ولو فعلوا لما صاروا إلى مصير الفاسقين الذين رأيناه في مشهدهم الأليم . فأما إذا ذكروا بآيات ربهم فأعرضوا عنها وجاءهم العذاب الأدنى فلم يرجعوا ولم يعتبروا فإنهم إذن ظالمون (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ?) وإنهم إذن يستحقون الانتقام في الدنيا والآخرة: (إنا من المجرمين منتقمون) . . ويا هوله من تهديد . والجبار المتكبر هو الذي يتوعد هؤلاء الضعاف المساكين بالانتقام الرعيب !
ــــــــــــــــ