فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 114

قال تعالى: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (227) } [الشعراء]

قَالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا لَشاعرٌ ، وقالوا: إن القرآنُ شِعْرٌ فأنزَلَ اللهُ تَعالى هذهِ الآيةَ الكريمةَ يُرُدُّ بها على افْتِرَائِهِمْ هَذا ، ويقولُ لهمْ إنَّ القرآنَ فيما حَوَاه من حِكَمٍ وأحْكَامٍ ، وفي أُسْلُوبِه يَتَنَاقَضُ مع الشِّعْرِ . وإنَّ حَالَ مُحَمَّدٍ يَتَنَافَى مَعَ حَالِ الشُّعْراءِ ، فهوَ لا يَنْطِقُ إلا بالحَقِّ والحِكْمَةِ ، والصِّدْقِ ، ويَتَّبِعُهُ الصَّادِقُونَ المُخْلِصُونَ . والشُّعَراءُ يقولونَ الباطِلَ والزُّورَ ، ولا يَتَّبِعُهُمْ إلا الضَّالُّونَ . والشُّعَرَاءُ يَخُوضُونَ في كُلِّ لغْوٍ ، ويَهِيمُونَ على وجُوهِهِمْ في كلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الكَلاَمِ ، فَهُمْ يَخُوضُونَ مرةً فِي شَتيمةِ فلانٍ ، ومَرةً في مَدِيحِ فُلانٍ ، فلا يَهْتَدُونَ إلى الحقِّ .

والشُّعْرَاءُ يقُولُونَ مَا لاَ يَلْتَزِمُونَ بهِ في عَمَلِهِمْ ، ويَتَبَجَّحُونَ بأقْوَالٍ وأَفْعَالٍ لمْ تَصْدُرْ عَنْهُمْ ولا مِنْهُمْ ، فَيتَكَثَّرُونَ بِمَا ليسَ لهُمْ ، والرَّسُولُ الذي أُنْزِلَ عليهِ القُرآنُ ليسَ بِكَاهِنٍ ، ولا شَاعِرٍ لأنَّ حالَهُ مُنَافٍ لِحَالِ الشُّعَراءِ مِنْ وُجُوهٍ ظَاهِرَةٍ . واسْتَثْنَى اللهُ تَعالى مِنَ الصِّفَاتِ المُتَقَدِّمَةِ الشُّعراءَ الذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، وَذَكَرُوا الله كَثيرًاُ ، وتَوَلَّوا الرَّدَّ على الكُفَّارِ الذينَ كانُوا يَهْجُونَ المُؤْمِنِينَ . ( وفي الحَديثِ:"إِنَّ المُؤمنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ ولِسَانِهِ ، والذي نَفْسِي بِيدَهِ لَكَأَنَّ مَا تَرمُونَ بهِ نَضحُ النَّبْلِ") . ( أََخرَجهُ الإِمامُ أحمدُ ) . وسَيَعْلَمُ الذينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالشِّرْكِ ، وهِجَاءِ الرَّسُولِ ، كَيفَ يَكُونَ مُنْقَلَبُهُمْ يومَ القيَامَةِ ، وفي ذَلكَ اليومِ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ معذِرَتُهُمْ .

إن طبيعة الإسلام - وهو منهج حياة كامل معد للتنفيذ في واقع الحياة , وهو حركة ضخمة في الضمائر المكنونة وفي أوضاع الحياة الظاهرة - إن طبيعة الإسلام هذه لا تلائمها طبيعة الشعراء كما عرفتهم البشرية - في الغالب - لأن الشاعر يخلق حلما في حسه ويقنع به . فأما الإسلام فيريد تحقيق الحلم ويعمل على تحقيقه , ويحول المشاعر كلها لتحقق في عالم الواقع ذلك النموذج الرفيع .

والإسلام يحب للناس أن يواجهوا حقائق الواقع ولا يهربوا منها إلى الخيال المهوم . فإذا كانت هذه الحقائق لا تعجبهم , ولا تتفق مع منهجه الذي يأخذهم به , دفعهم إلى تغييرها , وتحقيق المنهج الذي يريد .

ومن ثم لا تبقى في الطاقة البشرية بقية للأحلام المهومة الطائرة . فالإسلام يستغرق هذه الطاقة في تحقيق الأحلام الرفيعة , وفق منهجه الضخم العظيم .

ومع هذا فالإسلام لا يحارب الشعر والفن لذاته - كما قد يفهم من ظاهر الألفاظ . إنما يحارب المنهج الذي سار عليه الشعر والفن . منهج الأهواء والانفعالات التي لا ضابط لها ; ومنهج الأحلام المهومة التي تشغل أصحابها عن تحقيقها . فأما حين تستقر الروح على منهج الإسلام , وتنضح بتأثراتها الإسلامية شعرا وفنا ; وتعمل في الوقت ذاته على تحقيق هذه المشاعر النبيلة في دنيا الواقع ; ولا تكتفي بخلق عوالم وهمية تعيش فيها , وتدع واقع الحياة كما هو مشوها متخلفا قبيحا !

وأما حين يكون للروح منهج ثابت يهدف إلى غاية إسلامية , وحين تنظر إلى الدنيا فتراها من زاوية الإسلام , في ضوء الإسلام , ثم تعبر عن هذا كله شعرا وفنا .

فأما عند ذلك فالإسلام لا يكره الشعر ولا يحارب الفن , كما قد يفهم من ظاهر الألفاظ .

ولقد وجه القرآن القلوب والعقول إلى بدائع هذا الكون , وإلى خفايا النفس البشرية . وهذه وتلك هي مادة الشعر والفن . وفي القرآن وقفات أمام بدائع الخلق والنفس لم يبلغ إليها شعر قط في الشفافية والنفاذ والاحتفال بتلك البدائع وذلك الجمال .

ومن ثم يستثني القرآن الكريم من ذلك الوصف العام للشعراء: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات , وذكروا الله كثيرا , وانتصروا من بعد ما ظلموا) . .

فهؤلاء ليسوا داخلين في ذلك الوصف العام . هؤلاء آمنوا فامتلأت قلوبهم بعقيدة , واستقامت حياتهم على منهج . وعملوا الصالحات فاتجهت طاقاتهم إلى العمل الخير الجميل , ولم يكتفوا بالتصورات والأحلام . وانتصروا من بعد ما ظلموا فكان لهم كفاح ينفثون فيه طاقتهم ليصلوا إلى نصرة الحق الذي اعتنقوه .

ومن هؤلاء الشعراء الذين نافحوا عن العقيدة وصاحبها في إبان المعركة مع الشرك والمشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت , وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة - رضي الله عنهم - من شعراء الأنصار , ومنهم عبد الله بن الزبعرى , وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد كانا يهجوان رسول الله صلى الله عليه وسلم في جاهليتهما , فلما أسلما حسن إسلامهما ومدحا رسول الله ونافحا عن الإسلام .

وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان:"اهجهم - أو قال هاجهم - وجبريل معك". . وعن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل قد أنزل في الشعراء ما أنزل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل" [ رواه الإمام أحمد ]

والصور التي يتحقق بها الشعر الإسلامي والفن الإسلامي كثيرة غير هذه الصورة التي وجدت وفق مقتضياتها . وحسب الشعر أو الفن أن ينبع من تصور إسلامي للحياة في أي جانب من جوانبها , ليكون شعرا أو فنا يرضاه الإسلام .

وليس من الضروري أن يكون دفاعا ولا دفعا ; ولا أن يكون دعوة مباشرة للإسلام ولا تمجيدا له أو لأيام الإسلام ورجاله . . ليس من الضروري أن يكون في هذه الموضوعات ليكون شعرا إسلاميا . وإن نظرة إلى سريان الليل وتنفس الصبح , ممزوجة بشعور المسلم الذي يربط هذه المشاهد بالله في حسه لهي الشعر الإسلاميفي صميمه . وإن لحظة إشراق واتصال بالله , أو بهذا الوجود الذي أبدعه الله , لكفيلة أن تنشئ شعرا يرضاه الإسلام .

ومفرق الطريق أن للإسلام تصورا خاصا للحياة كلها , وللعلاقات والروابط فيها . فأيما شعر نشأ من هذا التصور فهو الشعر الذي يرضاه الإسلام .

ــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت