عبد الرحمن بن علي العسكر
الرياض
عبد الله بن عمر
ملخص الخطبة
1-تعدد وجوه الحث على الأعمال الصالحة في القرآن الكريم. 2- وسيلة للتشجيع على العمل الصالح. 3- لذة العبادة. 4- تنوع الأعمال الصالحة. 5- التحذير من الاستهانة بالعمل الصالح. 6- تفاوت الأعمال الصالحة في الأجر باختلاف الأوقات.
الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله تعالى أيها الناس، وبادروا بالعمل الصالح؛ فإنه لا نجاة لكم إلا به، ولا ينفعكم سواه، هو زادكم في الآخرة، وطريقكم إلى الجنة، هو الذي خلقكم من أجله، وأعطيتم المهلة والصحة والغنى والفراغ لتحقيقه، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ [المؤمنون:99، 100] .
عباد الله، كرر القرآن الكريم وأعاد في الحث على الأعمال الصالحة والسعي إليها، جاء ذلك بطرق متعددة: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51] , وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:105] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77] .
أخبر الله سبحانه في كتابه أنه خلق السماوات والأرض والموت والحياة وجميع ما على الأرض ليبتلي العباد ويختبرهم ويعرف أيهم أحسن عملًا: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود:7] ، إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف:7] .
عباد الله، أعظم وسيلةٍ لتشجيع العاملين وحفز همم المتقاعسين هي المجازاة على الأعمال، إن خيرًا فبالإحسان والجائزة, وإن شرًا فبالنقمة وعسير المؤاخذة, ليزيد المحسن في إحسانه, ويقلع المسيء عن إساءته.
وإن الجزاء على الأعمال الصالحة يتنوع، ففي الدنيا نعيم وسرور ولذة، وما في الآخرة أعظم، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97] ، فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124، 123] .
عباد الله، إن انشراح صدر المؤمن بنوافل العبادات أمر لا بد منه، فصاحب النوافل المحافظ عليها في سرور ولذة دائمة، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:"ولا تظن أن قوله تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13، 14] يختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم دائم في دورهم الثلاثة ـ يعني في الدنيا وفي القبر ويوم القيامة ـ، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة".
بل إن نوافل العبادات ـ أيها الناس ـ من أحب الأعمال إلى الله، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن الله تعالى يقول: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن؛ يكره الموت وأنا أكره مساءته ) ).
عباد الله، الأعمال الصالحة ليست قاصرة على عمل واحد، بل كل ما أمر الإنسان به من قول أو عمل فإنه يتقرب إلى الله به، ولقد كافأ الله أقوامًا على أعمال عملوها لما أخلصوا فيها لله سبحانه وتعالى.
الصلاة عمود الدين، من تركها فقد كفر، ومع ذلك فمن تنفل بشيء من الصلوات فإن له منزلة عند الله، ولقد رفع الله أقوامًا وبلّغهم منازل في الجنة بنوافل الصلوات، فهذا بلال بن رباح رضي الله عنه كان لا يساوي عند أهل مكة شيئًا، لما صدق العهد مع الله سبق الرسولَ في الجنة، يقول بريدة بن الحصيب رضي الله عنه: أصبح رسول الله ، فدعا بلالًا فقال: (( يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة؟! فما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي ) )، فقال بلال: يا رسول الله، ما أذّنت قطّ إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قطّ إلا توضّأت عندها، ورأيت أن لله عليّ ركعتين، فقال رسول الله: (( بهما ) )رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححاه.
الصوم ـ عباد الله ـ قربة يتَقرّب بها إلى الله، ولقد تكفل الله لعبد صام أن يباعد وجهه عن النار سبعين خريفًا كما روى ذلك أصحاب السنن.
الزكاة حقّ مفروض واجب على كل من توفرت فيه الشروط، ومع ذلك فمن تزوّد من الصدقة فقد تقرّب إلى الله تعالى، ولقد بلغ عثمان بن عفان رضي الله عنه منزلة رفيعة بفضل صدقته. لما جاء المهاجرون إلى المدينة لم يكن بها ماء عذب إلا بئر رومة، وكان صاحبها يبيع ماءها، فقال رسول الله: (( من يشتري بئر رومة وله الجنة؟ ) )فاشتراها عثمان. رواه الترمذي. ولما جاءت غزوة تبوك كان الصحابة في حاجة ماسة إلى المال، فجاء عثمان بألف دينار، فصبها في ثوب النبي ، فجعل رسول الله يحركها ويقول: (( ما على عثمان ما فعل بعد اليوم ) )رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي.
عباد الله، خرج الصحابة يوم بدر مع رسول الله لا يريدون غزوًا، وإنما يريدون قافلة، فإذا هم بجيش قريش، فثبتوا وثبّتهم الله، ولم يضِع الله جهدهم، بل أعطاهم منزلة ليست لغيرهم، ولهذا لما غضب عمر بن الخطاب على حاطب بن أبي بلتعة قال له رسول الله: (( أليس قد شهد بدرًا؟! ) )قال عمر: نعم، فقال رسول الله: (( وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) )رواه البخاري.
إن الإنسان ليتقرب إلى الله بأعمال يظنها يسيرة، ولكنها عند الله عظيمة، وهذه أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ناصرت الرسول في أحرج الأوقات: والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر. فما ضاع ذلك عند الله، بل جاء جبريل إلى رسول الله ذات يوم فقال له: (هذه خديجة قد أتت معها إناءٌ فيه طعام، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا نصب فيه ولا صخب) متفق عليه.
خزيمة بن ثابت رجل من عامة الصحابة أراد الله به الخير فدله على الخير، روى أبو داود أن رسول الله ذات يوم اشترى فرسًا من أعرابي، وطلب منه أن يتبعه إلى بيته ليأخذ الثمن، فلما خرج الأعرابي جعل الناس يساومون في الفرس، وما علموا أن رسول الله قد اشتراه، فقال الأعرابي لرسول الله: إن الثمن قد زاد، فقال له رسول الله: (( أما بعتني؟! ) )فقال الأعرابي: لم أبعك، ألك شهود؟ والرسول يقول: (( بلى، قد بعتني ) )، فقام خزيمة بن ثابت فقال: أنا أشهد أنك قد بعته على رسول الله، فأقبل الرسول على خزيمة وقال: (( كيف تشهد وأنت لم تره؟! ) )فقال خزيمة: نصدّقك في خبر السماء ولا نصدقك في خبر الأرض؟!
فانظروا ـ عباد الله ـ إلى هذه الفطنة العجيبة من خزيمة بن ثابت، يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة:269] . لقد كافأ رسول الله خزيمة مكافأة لا يبلغها أحد مهما بلغ من المكانة والشرف، لقد جعل شهادته تعادل شهادة رجلين حتى صار يسمى بين الصحابة: ذا الشهادتين.
عباد الله، أعمال يسيرة بلغ بها أصحابها منازل رفيعة في الدنيا والآخرة، لما صدقوا ما عاهدوا الله عليه إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13] .
فاتقوا الله عباد الله، واستعدوا ليوم القيامة يوم الجزاء والمحاسبة، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7، 8] .
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي نوع بين أوقات الطاعات، أحمده سبحانه وأشكره، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم.
أما يعد: فإن من رحمة الله بعباده أن فارق بين الساعات في الأجر والدرجات ليختبر الصادقين فيسهل لهم أعمالًا في وقت دون وقتٍ، ليعرف الجاد من الهازل والصادق من الكاذب.
عباد الله، الليل محلّ لمضاعفة الجزاء واستجابة الدعاء، إذا خمدت الأصوات ونامت العيون آن للمحب أن يلتقي مع ربه في ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل خيرًا إلا أعطاه، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16، 17] ، يقول الرسول: (( يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصِلوا الأرحام، وَصَلّوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام ) )رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، ويقول سهل بن سعد فيما رواه الطبراني بسند حسن: جاء جبريل إلى رسول الله فقال: (يا محمد، غش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزيّ به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) ، يقول يحيى بن معاذ:"الليل طويل فلا تقصره بمنامك".
أيها الناس، إن أمامنا بابًا مفتوحًا كلّ ليلة لرفع الدرجات وحطّ الخطيئات، فما بالنا قصّرنا فيه؟! روى الإمام أحمد والترمذي أن النبي قال: (( إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها ) )، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: (( لمن أطعم الطعام وأفشى السلام وصلى بالليل والناس نيام ) ).
وروى محمد بن نصر أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (إن الله يضحك إلى رجلين: رجل قام في ليلة باردة من فراشه ودثاره ولحافه ومن بين أهله وجيرانه، فتوضأ ثم قام إلى الصلاة، فيقول الله لملائكته: ما حمل عبدي على ما صنع؟ فيقولون: ربّنا رجاء ما عندك، فيقول الله: فإني أشهدكم أني أعطيته ما رجا وأمنته مما يخاف) .
فاتقوا الله عباد الله، واغتنموا أيامكم ولياليكم فيما ينفعكم، فإن مهلة الإنسان في هذه الدنيا قصيرة، ومدته محدودة، وأجله مقدّر، والإنسان في هذه الحياة رهن لعوارض تعوقه عن العمل، فحريّ بالعاقل اغتنام الفرص قبل فواتها.
واعلموا ـ عباد الله ـ أن الله أمركم بالصلاة على رسوله فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ...
ــــــــــــــــ