فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 114

قال تعالى: {وَلَلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (31) } [الجاثية]

وَاللهُ تَعَالى هُوَ مَالكُ السَّماواتِ والأَرضِ ، وَهُوَ الحَاكِمُ فيهما في الدُّنيا والآخِرةِ ، وَلا تَملِكُ الأَصْنَامُ والأَوثانُ والأندادُ شيئًا . وَيومَ تقومُ السَّاعةُ يَبْعَثُ اللهُ الخَلاَئقَ مِن القُبُورِ ، ويحشُرُهُمْ إِليهِ ، وَحينئذٍ يُدركُ الكَافِرُونَ ، المُنكِرُونَ لِلْبَعْثِ ، أَنَّهُم قَدْ خَسِروا خُسرانًا مُبينًا بِكُفْرِهِمْ بِاللهِ ، وَتَكْذِيبِهِمْ كُتًُبَهُ وَرُسُلَهُ .

وفِي اليَومِ الذِي تَقُوُمُ فيهِ السَّاعةُ ، تَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثيةً عَلَى رُكَبِهَا ، مِنْ شِدِّةِ الهَوْلِ في ذَلِكَ اليَومِ ، وَتُدْعَى كُلُّ أُمَّةٍ إِلى كِتابِ أَعمالِها الذِي أودعَ فيهِ الملائِكةُ الكَاتِبونَ أعمالَ الخَلائقِ ، وَيُقالُ لَهُمْ: هذِه هيَ أعمالُهُم في الحيَاةِ الدُّنيا ، وَسَيُجْزَونَ بِها .

وَيُقَالُ لَهُمْ: هذا هُوَ كِتَابُنَا الذِي سَجَّلْنا فِيهِ جَميعَ أعْمالِكُم في الحَيَاةِ الدُّنيا ، مِنْ غَير زِيَادَةٍ ولا نُقْصَانٍ ، وَقَدْ أَمَرْنا الملائكَةَ الحَافِظِينَ بِنَسْخِ أَعْمَالِكُمْ وَإِثباتِها في صَحَائِفِكُمْ ، فَهُوَ وَفْقَ مَا عَمِلْتُم بالضَّبْط .

فَأَمَّا الذِينَ آمَنَتْ قُلُوبُهُم ، وَعَمِلَتْ جَوَارِحُهُم الأَعْمَالَ الصَّالحةَ ، فإِنَّ اللهَ يُكَافِئُهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ بأَنْ يُدْخِلَهُمْ الجَنَّةَ ، والظَّفْرُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ فَوْزٌ عَظِيمٌ لا يَعْدِلُهُ فَوْزٌ .

وأَمَّا الذِين كَفَروا ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ ، وأَنكَرُوا كُتَبَه وَشَرْعَهُ فَيُقالُ لَهُم ، عَلَى سَبِيلِ التَّقريعِ والتَّوبيخِ: ألم تَكُنْ رُسُلُ رَبِّكُم يَتلُونَ عَلَيكم آيَاتهِ فَكُنْتُم تَستَكبِرُونَ عَنِ الإِيمَانِ بِها ، وَكُنتمُ قَوْمًا مُجرِمِينَ في أَفعالِكُمْ .

إنه يعجل لهم في الآية الأولى عاقبة المبطلين . فهم الخاسرون في هذا اليوم الذي يشكون فيه . ثم ننظر من خلال الكلمات فإذا ساحة العرض الهائلة ، وقد تجمعت فيها الأجيال الحاشدة التي عمرت هذا الكوكب في عمره الطويل القصير! وقد جثوا على الركب متميزين أمة أمة . في ارتقاب الحساب المرهوب . . وهو مشهد مرهوب بزحامه الهائل يوم تتجمع الأجيال كلها في صعيد واحد . ومرهوب بهيئته والكل جاثون على الركب . ومرهوب بما وراءه من حساب . ومرهوب قبل كل شيء بالوقفة أمام الجبار القاهر ، والمنعم المتفضل ، الذي لم تشكر أنعمه ولم تعرف أفضاله من أكثر هؤلاء الواقفين!

ثم يقال للجموع الجاثية المتطلعة إلى كل لحظة بريق جاف ونفس مخنوق . يقال لها: { اليوم تجزون ما كنتم تعملون . هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق . إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } . . فيعلمون أن لا شيء سينسى أو يضيع! وكيف وكل شيء مكتوب . وعلم الله لا يند عنه شيء ولا يغيب؟!

ثم تنقسم الحشود الحاشدة والأمم المختلفة , على مدى الأجيال واختلاف الأجناس فريقين اثنين . فريقين اثنين . يجمعان كل هذه الحشود:الذين آمنوا . والذين كفروا . فهاتان هما الرايتان الوحيدتان عند الله وهذان هما الحزبان:حزب الله . وحزب الشيطان . وما عدا هذا من الملل والنحل والأجناس والأمم فإليهما يعود:

(فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات , فيدخلهم ربهم في رحمته . ذلك هو الفوز المبين) . .

وقد استراحوا من طول الارتقاب , ومن القلق والاضطراب . . والنص ينهي أمرهم في سرعة وفي بساطة , ليلقي هذا الظل المستطاب .

ثم نلقي بأبصارنا - من خلال الكلمات - إلى الفريق الآخر . فماذا نحن واجدون ? إنه التأنيب الطويل , والتشهير المخجل , والتذكير بشر الأقوال والأعمال: (وأما الذين كفروا . أفلم تكن آياتي تتلى عليكم , فاستكبرتم , وكنتم قومًا مجرمين ? وإذا قيل:إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها . قلتم:ما ندري ما الساعة ! إن نظن إلا ظنا , وما نحن بمستيقنين) !

فالآن كيف ترون الحال ?! وكيف تذوقون اليقين ?!

ويتركهم السياق لحظة ليعلن على الملأ شيئًا مما يقع لهؤلاء المنكوبين:وبدا لهم سيئات ما عملوا , وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون . .

ثم يعود إليهم بالترذيل والتأنيب وإعلان الإهمال والتحقير ; والمصير الأليم: (وقيل:اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا . ومأواكم النار . وما لكم من ناصرين ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوًا , وغرتكم الحياة الدنيا) . .

ــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت