فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 114

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا ( 57) } [النساء]

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: بِأَنَّهُ سَيُعَاقِبُ الكَافِرِينَ بِآيَاتِ اللهِ وَبِرُسُلِهِ ، بِإِحْرَاقِهِمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، وَكُلَّمَا احْتَرَقَتْ جُلُودُهُمْ أَبْدَلَهُمْ غَيْرَها لِيَسْتَمِرُّوا فِي تَحَسُّسِ العَذَابِ وَآلامِهِ ، وَاللهُ عَزِيزٌ لاَ يَتَحَدَّاهُ أَحَدٌ ، حَكِيمٌ فِي تَصَرُّفِهِ ، يَعْرِفُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْعُقُوبَةِ فَيُعَاقِبُهُ ، وَمَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْثَّوَابِ فَيُثِيبُهُ .

وَالذِينَ صَدَّقُوا بِمَا جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ ، فَإنَّ اللهَ سَيُثِيبُهُمْ عَلَى إيمَانِهِمْ وَعَمَلِهِمُ الصَّالِحُ ، بِإدْخَالِهِمُ الجَنَّةَ التِي تَجْرِي فِي أَرْضِهَا الأَنْهَارُ ، وَيَبْقُونَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَدًا ، لاَ يَحُولُونَ عَنْهَا وَلاَ يَزُولُونَ ، وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ، مِنَ الحَيْضِ وَالدَّنَسِ وَالأَذَى ، وَالأَخْلاَقِ الرَذِيلَةِ ، وَالصِّفَاتِ النَّاقِصَة ، وَيُدخِلُهُمْ فِي ظِلٍّ وَارِفٍ كَثِيفٍ لاَ حَرَّ فِيهِ وَلاَ قَرَّ .

إنه مشهد لا يكاد ينتهي . مشهد شاخص متكرر . يشخص له الخيال ، ولا ينصرف عنه! إنه الهول . وللهول جاذبية آسرة قاهرة! والسياق يرسم ذلك المشهد ويكرره بلفظ واحد . . « كلما » . . ويرسمه كذلك عنيفًا مفزعًا بشطر جملة . . { كلما نضجت جلودهم } . . ويرسمه عجيبًا خارقًا للمألوف بتكملة الجملة . . { بدلناهم جلودًا غيرها } . . ويجمل الهول الرهيب المفزع العنيف كله في جملة شرطية واحدة لا تزيد!

ذلك جزاء الكفر - وقد تهيأت أسباب الإيمان - وهو مقصود .وهو جزاء وفاق: { ليذوقوا العذاب } . .

ذلك ، أن الله قادر على الجزاء . حكيم في توقيعه: { إن الله كان عزيزًا حكيمًا } . .

وفي مقابل هذا السعير المتأجج . وفي مقابل الجلود الناضجة المشوية المعذبة . . كلما نضجت بدلت . ليعود الاحتراق من جديد . ويعود الألم من جديد . في مقابل هذا المشهد المكروب الملهوف . . نجد { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } في جنات ندية: { تجري من تحتها الأنهار } : ونجد في المشهد ثباتًا وخلودًا مطمئنًا أكيدًا: { خالدين فيها أبدًا }

ونجد في الجنات والخلد الدائم أزواجًا مطهرة: { لهم فيها أزواج مطهرة } . .

ونجد روح الظلال الندية؛ يرف على مشهد النعيم: { وندخلهم ظلًا ظليلًا } . .

تقابل كامل في الجزاء . وفي المشاهد . وفي الصور . وفي الإيقاع . . على طريقة القرآن في « مشاهد القيامة » ذات الإيحاء القوي النافذ العميق .

ــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت