فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 114

قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ (66) فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) } [القصص]

يُنَادي اللهُ تَعَالى المُشرِكِينَ وَيَسْأَلُهُم عَمَّا أَجَابُوا بهِ عَلَى دَعْوَةِ المُرسَلِينَ إِليهِمْ ، وكَيفَ كَانَ حَالُهُم مَعَهُم حِينما أبلغُوهُم دَعْوَةَ رَبِّهِمْ؟

فَلاَ يَجدُونَ مَا يرُدُّونَ بهِ عَلَى السُّؤالِ فيَسكُنُونَ . وَتَخْفَى عَليهِم الحُجَجُ وكُلُّ طُرُقِ العِلْمِ التِي كَانَتْ تُجدِيهِمْ نَفْعًا في الحَيَاة الدُّنيا ، فَلا يَسْأَلُ بَعْضُهُم بَعْضًا ، لِتَساوِيِهم جَميعًا في عَمَى الأنباء عَليهِمْ ، والعَجزِ عنِ الجَوَابِ .

وأَما الذي تَابَ ، مِنَ المُشرِكينَ ، عَمَّا اقتَرَفَهُ مِنَ الشِّرْك والذُّنوبِ والمآثِمِ والمَحَارِمِ ، وآمَنَ بِرَبّهِ إِيمانًا مُخْلِصًَا ، وصَدَّقَ رَسُولَهُ ، وَعَمِلَ في الدُّنيا عَمَلًا صالحًا ، فإِنَّهُ يَرجُو أَنْ يكُونَ في الآخِرَةِ مِنَ المُفْلِحينَ الفَائزينَ بِرِضوانِ الله .

( وَعَسَى مِنَ اللهَ تَعَالى مُوجِبَةٌ أَيْ إِنَّ ذَلكَ وَاقعٌ بِفَضْلِ اللهِ وَمِنَّتِهِ لاَ مَحَالَةَ ) .

قال السعدي:" { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ } هل صدقتموهم، [واتبعتموهم] أم كذبتموهم وخالفتموهم؟"

{ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ } أي: لم يحيروا عن هذا السؤال جوابا، ولم يهتدوا إلى الصواب.

ومن المعلوم أنه لا ينجى في هذا الموضع إلا التصريح بالجواب الصحيح، المطابق لأحوالهم، من أننا أجبناهم بالإيمان والانقياد، ولكن لما علموا تكذيبهم لهم وعنادهم لأمرهم، لم ينطقوا بشيء، ولا يمكن أن يتساءلوا ويتراجعوا بينهم في ماذا يجيبون به، ولو كان كذبا.

ولما ذكر تعالى سؤال الخلق عن معبودهم وعن رسلهم، ذكر الطريق الذي ينجو به العبد من عقاب اللّه تعالى، وأنه لا نجاة إلا لمن اتصف بالتوبة من الشرك والمعاصي، وآمن باللّه فعبده، وآمن برسله فصدقهم، وعمل صالحا متبعا فيه للرسل، { فَعَسَى أَنْ يَكُونَ } من جمع هذه الخصال { مِنَ الْمُفْلِحِينَ } الناجحين بالمطلوب، الناجين من المرهوب، فلا سبيل إلى الفلاح بدون هذه الأمور.""

إن الله ليعلم ماذا أجابوا المرسلين . ولكنه كذلك سؤال التأنيب والترذيل . وإنهم ليواجهون السؤال بالذهول والصمت . ذهول المكروب وصمت الذي لا يجد ما يقول: { فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون } .

والتعبير يلقي ظل العمى على المشهد والحركة . وكأنما الأنباء عمياء لا تصل إليهم ، وهم لا يعلمون شيئًا عن أي شيء! ولا يملكون سؤالًا ولا جوابًا . وهم في ذهولهم صامتون ساكتون!

{ فأما من تاب وآمن وعمل صالحًا فعسى أن يكون من المفلحين } . .وهذه هي الصفحة المقابلة . ففي الوقت الذي يبلغ الكرب ذروته بالمشركين ، يتحدث عمن تاب وآمن وعمل صالحًا ، وما ينتظره من الرجاء في الفلاح . ولمن شاء أن يختار . وفي الوقت فسحة للاختيار!

ــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت