فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 114

قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ (5) } [سبأ]

بَعْدَ أًَنْ أَبَانَ اللهُ تَعَالى أَنَّهُ صَاحِبُ الحَمْدِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَفِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ عَلَى مَا أَسْدَى إِلى عِبَادِهِ مِنَ النِّعَم ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَولِهِ إِنَّ كَثيرًا مِنْ خَلْقِهِ يُنْكِرِ الآخِرَةَ ، وَيَسْتَهزِئُ بِمَنْ يَعْتَقِدُ بِوُقُوعِها ، وَيَسْتَعجِلُ بِالعَذَابِ الذِي يَتَهَدَّدُ اللهُ بهِ المُجْرِمينَ الكَافِرينَ ، فَيقُولُ تَعَالى: وَقَال الذِينَ كَفَروا بِاللهِ وَنِعَمِهِ عَلَيهِمْ ، وَجَحَدُوا بِما تَهْدِي إِليهِ العُقُولُ السَّلِيمَةُ: إِنَّهُ لاَ رَجْعَةَ إِلى الحَيَاةِ بَعْدَ أَنْ يَمُوتَ البَشَرُ ، وَلاَ بَعْثَ وَلاَ حِسَابَ وَلاَ عِقَابَ ، وَمَا يُهْلِكُهُمْ إِلاَّ الدَّهْرُ . . ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَرُدَّ عَلَيهِمْ مُقْسِمًا بِرَبِّهِ العَظِيمِ عَلَى أَنَّ المَعَادَ سَيَقَعُ ، لا مَحَالَةَ ، وَلاَ شَكَّ في ذلِكَ ، وَلكِنَّ وَقْتَ مَجِيءِ السَّاعَةِ التِي تَقُومُ فِيهَا القِيَامَةُ ، وَيَبْعَثُ فِيها اللهُ الخَلائِقِ ، لاَ يَعْلَمُهُ إلاّ اللهُ عَلاَّمُ الغُيُوبِ ، الذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ دَخَل فِي الأَرْضِ ، أَوْ صَعِدَ فِي السَّمَاءِ ، فَهُوَ تَعَالى يَعْلَمُ مَا يَتَفَرَّقُ مِنْ ذَرّاتِ أَجْسَادِ الأَموَاتِ وأَيْنَ تَسْتَقِرُّ فَيَجْمَعُها يَومَ القِيَامَةِ بأَمرٍ مِنْهُ فَيُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا كَمَا كَانَتْ ، وَقَدْ أوْدَعَ اللهُ تَعَالى كُلَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ وَلا يَنْسَى .وَهذِهِ الآيَةُ إِحْدَى ثَلاثِ آياتٍ فِي القُرآنِ ، أَمرَ اللهُ فِيها الرَّسُولَ الأكرمَ بِأَنْ يُقَسِمَ بِرَبِّهِ العَظِيمِ عَلَى أَنَّ السَّاعَةَ سَتَقُومُ ، وَأَنَّ الأَمواتَ سَيُبْعَثُونَ لِلْحِسَابِ .

الآيَةُ الأولَى جَاءَت فِي سُورَةِ يُونُس: { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ } وَالآيَةُ الثَّانيَةُ جَاءَتْ فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ: { زَعَمَ الذين كفروا أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ . } والثَّالثَةُ هذهِ الآيَةُ .وَالحِكْمَةُ فِي قِيامِ السَّاعَةِ ، وَحَشْرِ الخَلاَئِقِ هِيَ لِحِسَابِهِمْ عَلَى مَا قَدَّمُوا مِنْ عَمَلٍ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيا ، فَيَجْزِي اللهُ المُؤْمِنِينَ بِرَبِّهِمْ ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، الذِينَ عَمِلُوا العَمَلَ الصَّالِحَ بالحُسْنَى ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ وَيُدْخِلُهُمْ فِي جَنَّتِهِ ، وَيُؤتِيهِمْ رِزْقًا كَرِيمًا وَاسِعًا .

أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ، وَسَعَوْا فِي صَدِّ النَّاسِ عَنِ اتِّبَاعِ مَا دَعَتْهُمْ إِليهِ الرُّسُلُ مِنَ الإِيمَانِ ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَسُبُلِ الهُدَى ، وَأَجْهَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَحَارَبةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَقُرآنِهِ . . . فإِنَّ اللهَ سَيُعَذِّبُهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ عَذَابًا أَليمًا .

وقال السعدي:"لما بين تعالى، عظمته، بما وصف به نفسه، وكان هذا موجبا لتعظيمه وتقديسه، والإيمان به، ذكر أن من أصناف الناس، طائفة لم تقدر ربها حق قدره، ولم تعظمه حق عظمته، بل كفروا به، وأنكروا قدرته على إعادة الأموات، وقيام الساعة، وعارضوا بذلك رسله فقال: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي باللّه وبرسله، وبما جاءوا به، فقالوا بسبب كفرهم: { لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ } أي: ما هي، إلا هذه الحياة الدنيا، نموت ونحيا. [ ص 675 ] فأمر اللّه رسوله أن يرد قولهم ويبطله، ويقسم على البعث، وأنه سيأتيهم، واستدل على ذلك بدليل من أقرَّ به، لزمه أن يصدق بالبعث ضرورة، وهو علمه تعالى الواسع العام فقال: { عَالِمِ الْغَيْبِ } أي: الأمور الغائبة عن أبصارنا، وعن علمنا، فكيف بالشهادة؟".

ثم أكد علمه فقال: { لا يَعْزُبُ } أي: لا يغيب عن علمه { مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ } أي: جميع الأشياء بذواتها وأجزائها، حتى أصغر ما يكون من الأجزاء، وهو المثاقيل منها.

{ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } أي: قد أحاط به علمه، وجرى به قلمه، وتضمنه الكتاب المبين، الذي هو اللوح المحفوظ، فالذي لا يخفى عن علمه مثقال الذرة فما دونه، في جميع الأوقات، ويعلم ما تنقص الأرض من الأموات، وما يبقى من أجسادهم، قادر على بعثهم من باب أولى، وليس بعثهم بأعجب من هذا العلم المحيط.

ثم ذكر المقصود من البعث فقال: { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم، صدقوا اللّه، وصدقوا رسله تصديقا جازما، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } تصديقا لإيمانهم. { أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } لذنوبهم، بسبب إيمانهم وعملهم، يندفع بها كل شر وعقاب. { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } بإحسانهم، يحصل لهم به كل مطلوب ومرغوب، وأمنية.

{ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ } أي: سعوا فيها كفرا بها، وتعجيزا لمن جاء بها، وتعجيزا لمن أنزلها، كما عجزوه في الإعادة بعد الموت. { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ } أي: مؤلم لأبدانهم وقلوبهم.""

إن طبيعة هذا التصور ليست بشرية . وإنه ليست لها سابقة في كلام البشر شعره ونثره على السواء . فعندما يتحدث البشر عن شمول العلم ودقته وإحاطته لا يخطر على بالهم أن يصوروه في هذه الصورة الكونية العجيبة: (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر . . .) . . ولست أعرف في كلام البشر إتجاهًا إلى مثل هذا التصور للعلم الدقيق الشامل . فهو الله , سبحانه , الذي يصف نفسه , ويصف علمه , بما يعلم من الأوصاف التي لا تخطر للبشر ! وبذلك يرفع تصور المسلمين لإلههم الذي يعبدونه فيعرفونه بصفته في حدود طاقتهم البشرية المحدودة على كل حال . وأقرب تفسير لقوله تعالى: (إلا في كتاب مبين) أنه علم الله الذي يقيد كل شيء , ولا يند عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض , ولا أصغر من ذلك ولا أكبر . ونقف أمام لفتة في قوله تعالى: مثقال ذرة . . . ولا أصغر من ذلك . والذرة كان معروفًا - إلى عهد قريب - أنها أصغر الأجسام . فالآن يعرف البشر - بعد تحطيم الذرة - أن هناك ما هو أصغر من الذرة , وهو جزيئاتها التي لم تكن في حسبان أحد يومذاك ! وتبارك الله الذي يعلم عباده ما يشاء من أسرار صفته ومن أسرار خلقه عندما يشاء .

مجيء الساعة حتمًا وجزمًا , وعلمه الذي لا تند عنه صغيرة ولا كبيرة:

(ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات . أولئك لهم مغفرة ورزق كريم . والذين سعوا في آياتنا معاجزين , أولئك لهم عذاب من رجز أليم) . .

فهناك حكمة وقصد وتدبير . وهناك تقدير في الخلق لتحقيق الجزاء الحق للذين آمنوا وعملوا الصالحات , وللذين سعوا في آيات الله معاجزين . .

فأما الذين آمنوا وحققوا إيمانهم بالعمل الصالح فلهم (مغفرة) لما يقع منهم من خطايا ولهم (رزق كريم) والرزق يجيء ذكره كثيرًا في هذه السورة , فناسب أن يعبر عن نعيم الآخرة بهذا الوصف , وهو رزق من رزق الله على كل حال .

وأما الذين سعوا باذلين جهدهم للصد عن آيات الله , فلهم عذاب من أليم العذاب وسيئه . والرجز هو العذاب السيّىء . جزاء اجتهادهم ومعاجزتهم وكدهم في سبيل السوء !

وبهذا وذلك تتحقق حكمة الله وتدبيره , وحكمة الساعة التي يجزمون بأنها لا تأتيهم ; وهي لا بد أن تجيء . .

ــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت