د. عادل المطيرات
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
فإن راحة القلب وطمأنيته وسروره وزوال همومه وغمومه هو مطلب كل واحد، وبه تحصل الحياة الطيبة، ويتم السرور والابتهاج، وتحصل به السعادة المنشودة، ولذلك أسباب كثيرة دينية وطبيعية وعلمية، ولا يمكن أن تجتمع هذه الأسباب كلها إلا للمؤمنين، وأما من سواهم فإنها وإن حصلت لهم من وجه وسبب يجاهد عقلاؤهم عليه فاتتهم من وجوه أنفع وأثبت وأحسن حالا ومالا.
ما السعادة؟ وما أسبابها؟ وكيف يرتاح الإنسان فيعيش سعيدا مرتاح القلب منشرح الصدر، يعيش عيشة هنية ويحيا حياة طيبة؟
إن لذلك أسبابا كثيرة سنذكر بعضها في هذه السلسلة، وهي مستقاة من رسالة لطيفة للعلامة الشيخ عبدالرحمن السعدي، بعنوان:"الوسائل المفيدة للحياة السعيدة".
أول الأسباب: الإيمان والعمل الصالح.
قال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) .
فأخبر تعالى ووعد من جمع بين الإيمان والعمل الصالح بالحياة الطيبة في هذه الدار، والجزاء الحسن في دار القرار. وسبب ذلك واضح، فإن المؤمنين بالله الإيمان الصحيح، المثمر للعمل الصالح، المصلح للقلوب والأخلاق والدنيا والآخرة، معهم أصول وأسس يتلقون فيها جميع ما يرد عليهم من أسباب السرور والابتهاج، وأسباب القلق والهم والأحزان، يتلقون المحاب والمسار بقبول لها وشكر عليها واستعمال لها فيما ينفع، فإذا استعملوها على هذا الوجه أحدث لهم من الابتهاج بها، والطمع في بقائها وبركتها، ورجاء ثواب الشاكرين، أمورا عظيمة تفوق بخيراتها وبركاتها هذه المسرات التي هذه ثمراتها، ويتلقون المكاره والمضار والهم والغم بالمقاومة لما يمكنهم مقاومته، وتخفيف ما يمكنهم تخفيفه، والصبر الجميل لما ليس لهم منه بد، وبذلك تحصل لهم من آثار المكاره من المقومات النافعة، والتجارب والقوة، ومن الصبر واحتساب الأجر والثواب، أمور عظيمة تضمحل معها المكاره ، وتحل محلها المسار والآمال الطيبة، والطمع في فضل الله وثوابه، كما عبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه، أنه قال:"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن"، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المؤمن يتضاعف غنمه وخيره وثمرات أعماله في كل ما يطرقه من السرور والمكاره.
لهذا تجد اثنين تطرقهما نوائب الخير أو الشر، فيتفاوتان تفاوتا عظيما في تلقيها، وذلك بحسب تفاوتهما في الإيمان والعمل الصالح.
هذا الموصوف بهذين الوصفين يتلقى الخير والشر بما ذكرناه من الشكر والصبر وما يتبعهما، فيحدث له السرور والابتهاج، وزوال الهم والغم، والقلق، وضيق الصدر، وشقاء الحياة، وتتم له الحياة الطيبة في هذه الدار.
والآخر يتلقى المحاب بأشر وبطر وطغيان، فتنحرف أخلاقه، ويتلقاها كما تتلقاها البهائم بجشع وهلع، ومع ذلك فإنه غير مستريح القلب، بل مشتت من جهات كثيرة، مشتت من جهة خوفه من زوال محبوباته، ومن كثرة المعارضات الناشئة عنها غالبا، ومن جهة أن النفوس لا تقف عند حد، بل لا تزال متشوقة لأمور أخرى، قد تحصل وقد لا تحصل، وإن حصلت على الفرض والتقدير، فهو أيضا قلق من الجهات المذكورة. ويتلقى المكاره بقلق وجزع وخوف وضجر، فلا تسأل ما يحدث له من شقاء الحياة، ومن الأمراض الفكرية والعصبية، ومن الخوف الذي قد يصل به إلى أسوأ الحالات، وأفظع المزعجات، لأنه لا يرجو ثوابا، ولا صبر عنده يسليه ويهون عليه.
وكل هذه مشاهد بالتجربة، ومثل واحد من هذا النوع إذا تدبرته ونزلته على أحوال الناس، رأيت الفرق العظيم بين المؤمن العامل بمقتضى إيمانه، وبين من لم يكن كذلك، وهو أن الدين يحث غاية الحث على القناعة برزق الله، وبما أتى العباد من فضله وكرمه المتنوع، فالمؤمن إذا ابتلي بمرض أو فقر، أو نحوه من الأعراض التي كل واحد عرضة لها، فإنه بإيمانه وبما عنده من القناعة والرضى بما قسم الله له، تجده قرير العين، لا يتطلب بقلبه أمرا لم يقدر له، ينظر إلى من دونه ولا ينظر إلى من هو فوقه، وربما زادت بهجته وسروره وراحته على من هو محصل على الجميع المطالب الدنيوية, إذا لم يؤت القناعة, كما تجد هذا الذي ليس عنده عمل بمقتضى الإيمان، إذا ابتلي بشيء من الفقر، أو فقد بعض المطالب الدنيوية، تجده غاية في التعاسة والشقاء.
ومثل آخر: إذا حدثت أسباب الخوف وألمت بالإنسان المزعجات، تجده صحيح الإيمان ثابت القلب، مطمئن النفس، متمكنا من تدبيره، وتسييره لهذا الأمر الذي دهمه، بما هو في وسعه من فكر وقول وعمل، قد وطن نفسه لهذا المزعج الملم، وهذه أحوال تريح الإنسان وتثبت فؤاده، كما تجد فاقد الإيمان بعكس هذه الحال، إذا وقعت المخاوف انزعج لها ضميره، وتوترت أعصابه، وتشتتت أفكاره، وداخله الخوف والرعب، واجتمع عليه الخوف الخارجي، والقلق الباطني الذي لا يمكن التعبير عن كنهه.
وهذا النوع من الناس إن لم يحصل لهم بعض الأسباب الطبيعية التي تحتاج إلى تمرين كثير، انهارت قواهم وتوترت أعصابهم، وذلك لفقد الإيمان الذي يحمل على الصبر، لاسيما في المحال الحرجة، والأحوال المحزنة المزعجة، فالبار والفاجر، والمؤمن والكافر، يشتركان في جلب الشجاعة الاكتسابية، وفي الغريزة التي تلطف المخاوف وتهونها، ولكن يتميز المؤمن بقوة إيمانه وصبره، وتوكله على الله، واعتماده عليه، واحتسابه لثوابه، أمور تزداد بها شجاعته، وتخفف عنه وطأة الخوف، وتهون عليه المصاعب، كما قال تعالى: (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون) .
ويحصل لهم من معونة الله ومعيته الخاصة ومدده ما يبعثر المخاوف، وقد قال تعالى: (واصبروا إن الله مع الصابرين) .
السبب الثاني من أسباب السعادة: الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل وأنواع المعروف.
وكلها خير وإحسان، وبها يدفع الله عن البر والفاجر الهموم والغموم بحسبها، ولكن للمؤمن منها أكمل الحظ والنصيب، ويتميز بأن إحسانه صادر عن إخلاص واحتساب لثوابه فيهون عليه بذل المعروف لما يرجوه من الخير ويدفع عنه المكاره بإخلاصه واحتسابه كما قال تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما) فأخبر سبحانه أن هذه الأمور كلها خير ممن صدرت منه، والخير يجلب الخير، ويدفع الشر، وأن المؤمن المحتسب يؤتيه أجرا عظيما، ومن جملة الأجر العظيم زوال الهم ووالأكدار ونحوها.
وتأمل معي أخي القارئ ما جاء في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث ترغب في الإحسان إلى الخلق ومساعدتهم وإعانتهم، مما يجعل الإنسان حريصا على مساعدة إخوانه المسلمين ومعاونتهم ابتغاء الأجر والثواب من الله تعالى، من ذلك ما صح في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، فانظر كيف كان الله تعالى في عون العبد يحفظه بحفظه ويكلؤه برعايته ويعينه في أمور دينه ودنياه، كل ذلك إذا كان العبد في عون أخيه، فما أعظم أن يكون العبد معينا لإخوانه محسنا إليهم محتسبا للأجر والثواب من الله تعالى.
ومن ذلك ما صح عند الطبراني من حديث ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أعتكف في المسجد شهرا"وهذا من الأحاديث العجيبة التي تبين فضل الإحسان إلى الخلق والمشي في حاجاتهم، وأن أجر ذلك عظيم وثوابه جزيل لا يقدره إلا الرب تبارك وتعالى.
تأمل أخي القارئ الكريم في هذا الحديث العظيم لتعرف فضل مساعدة الناس والمشي في حوائجهم، هذا الشيء اليسير الذي لا يراه كثير من الناس شيئا، أجره أعظم من الاعتكاف في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - شهرا، أتعرف أخي القارئ أن الاعتكاف فضله عظيم لما فيه من حبس النفس في المسجد للصلاة والذكر وقراءة القرآن، والبعد عن ملذات الدنيا وشهواتها، وهذا كله إذا كان في يوم واحد، فكيف إذا كان في شهر؟!
أتعرف فضل صلاة واحدة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنها تعادل ألف صلاة فيما سواه من المساجد، وقد جاء ذلك صريحا في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام".
تأمل أخي القارئ هذا الأجر العظيم، الاعتكاف لمدة ثلاثين يوما وأين؟ في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلاة لمدة شهر أين؟ في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كم من الأجر يحصل عليه هذا المعتكف المصلي؟ أجر لا مثيل له إلا أن تمشي في حاجة أخيك فتحصل على أعظم من هذا الأجر !! فما أعظم وأوسع رحمة الله بعباده وجزيل فضله !
السبب الثالث من أسباب السعادة: الاشتغال بعمل من الأعمال أو علم من العلوم النافعة.
وهو من أعظم الأسباب التي تدفع القلق الناشئ عن توتر الأعصاب واشتغال القلب من المكدرات، فإن الاشتغال بهذه الأعمال دينية كانت أم دنيوية تلهي القلب عن اشتغاله بذلك الأمر الذي أقلقه، وربما ينسى تلك الأسباب التي أوجبت له الهم والغم، ففرحت نفسه وازداد نشاطه، وهذا السبب مشترك بين المؤمن وغيره، ولكن المؤمن يمتاز بإيمانه وإخلاصه واحتسابه في اشتغاله بذلك العلم الذي يتعلمه أو يعلمه، ويعمل الخير الذي يعلمه إن كان عبادة فهو عبادة، وإن كان شغلا دنيويا وعادة دنيوية أصحبها النية الصالحة، وقصد الاستعانة بذلك على طاعة الله، فذلك أثره الفعال في دفع الهموم والغموم والأحزان، فكم من إنسان ابتلي بالقلق وملازمة الأكدار فأحلت به الأمراض المتنوعة فصار دواؤه الناجع نسيانه السبب الذي أكدره وأقلقه، واشتغاله بعمل من مهماته، وينبغي أن يكون الشغل الذي يشتغل فيه مما تأنس به النفس وتشتاقه، فإن هذا أدعى لحصول هذا المقصود النافع.
أخي القارئ الكريم .. أشغل وقتك بما ينفعك في أمور دينك ودنياك، ولا تجعل لك وقت فراغ، بل ينبغي أن يكون وقتك كله مشغولا، إما بصلاة، أو صيام، أو قراءة للقرآن، أو إتباع جنازة، أو عيادة مريض، أو صلة رحم، أو إصلاح بين متخاصمين، أو حضور لمحاضرة أو درس مفيد، أو حضور لمنتديات فكرية واجتماعية نافعة، أو بلهو ولعب بريء مباح، أو غيرها من الأمور التي تعود بالنفع عليك في دينك وقلبك وفكرك وجسدك، كل ذلك يعين على راحة البال وطمأنينة القلب وانشراح الصدر، ويدفع القلق والهم والغم.
السبب الرابع من أسباب السعادة: اجتماع الفكر كله على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر، وقطعه عن الاهتمام في الوقت بالمستقبل. وعن الحزن على الوقت الماضي، فإن ذلك مما يساعد في دفع الهم والغم والقلق والحزن.
أخي القارئ .. إن التفكير في الماضي وما فيه من المشكلات والمآسي والأحزان الأليمة ليصيب الإنسان بالحزن، وإن التفكير والاهتمام الزائد في المستقبل والخوف منه ليصيبه بالهم والغم، وإن التفكير في اليوم الحاضر وأن يكون الإنسان ابن يومه ليصيب الإنسان بالراحة وانشراح الصدر، ويدفع عنه الهم والقلق، ولهذا استعاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من الهم والحزن، كما ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر أن يقول:"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل...".
فالحزن على الأمور الماضية لا يمكن ردها ولا استدراكها، والهم يحدث بسبب الخوف من المستقبل، فينبغي أن يكون العبد ابن يومه، يجمع جده واجتهاده في إصلاح يومه ووقته الحاضر، فإن جمع القلب على ذلك يوجب تكميل الأعمال ويتسلى به العبد عن الهم والحزن، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دعا بدعاء أو أرشد أمته إلى دعاء، فهو يحث مع الاستعانة بالله والطمع في فضله على الجد والاجتهاد في التحقق لحصول ما يدعو بحصوله والتخلي عما كان يدعو لدفعه، لأن الدعاء مقارن للعمل، فالعبد يجتهد فيما ينفعه في الدين والدنيا، ويسأل ربه نجاح مقصده ويستعينه على ذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم في وصيته لابن عباس - رضي الله عنهما:"احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان"أخرجه مسلم.
فجمع بين الأمر بالحرص على الأمور النافعة في كل حال، والاستعانة بالله وعدم الانقياد للعجز الذي هو الكسل الضار، وبين الاستسلام للأمور النافذة، ومشاهدة قضاء الله وقدره، ثم جعل الأمور قسمين: قسم يمكن للعبد السعي في تحصيله أو تحصيل ما يمكن منه أو دفعه أو تخفيفه، فهذا يبدي فيه العبد مجهوده ويستعين بمعبوده. وقسم لا يمكن فيه ذلك، فهذا يطمئن له العبد ويرضى ويسلم، ولا ريب أن مراعاة هذا الأصل سبب للسرور وزوال الهم والغم.
السبب الخامس من أسباب السعادة: التحدث بنعم الله الظاهرة والباطنة، فإن معرفتها والتحدث بها يدفع الله به الهم والغم، ويحث العبد على الشكر الذي هو أرفع المراتب وأعلاها، حتى لو كان العبد في حالة فقر أو مرض، أو غيرهما من أنواع البلايا، فإنه إذا قابل بين نعم الله عليه التي لا يحصى لها عدد ولا حساب، وبين ما أصابه من مكروه، لم يكن للمكروه إلى النعم نسبة، بل المكروه والمصائب إذا ابتلى الله بها العبد، وأدى فيها وظيفة الصبر والرضى والتسليم، هانت وطأتها وخفت مؤونتها، وكان تأميل العبد لأجرها وثوابها، والتعبد لله بالقيام بوظيفة الصبر والرضى، يدع الأشياء المرة حلوة، فتنسيه حلاوة أجرها مرارة صبرها!!
ومن أنفع الأشياء في هذا الموضوع استعمال ما أرشد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق على صحته:"انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم". فإن العبد إذا نصب بين عينيه هذا الملحظ الجليل رآه يفوق قطعا كثيرا من الخلق في العافية وتوابعها وفي الرزق وتوابعه، مهما بلغت به الحال، فيزول قلقه وهمه وغمه، ويزداد سروره واغتباطه بنعم الله التي فاق فيها غيره ممن هو دونه فيها، وكلما طال تأمل العبد بنعم الله الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، رأى ربه قد أعطاه خيرا كثيرا، ودفع عنه شرورا متعددة، ولا شك أن هذا يدفع الهموم والغموم ويوجب الفرح والسرور.
السبب السادس من أسباب السعادة: نسيان ما مضى عليه من المكاره التي لا يمكنه ردها، ومعرفته أن اشتغال فكره فيها من باب العبث والمحال، وأن ذلك حمق وجنون، فيجاهد قلبه عن التفكير فيها، وكذلك يجاهد قلبه عن قلقه لما يستقبله، مما يتوهمه من فقر أو خوف، أو غيرهما من المكاره التي يتخيلها في مستقبل حياته، فيعلم أن الأمور المستقبلية مجهول ما يقع فيها من خير وشر، وآمال وآلام، وأنها بيد العزيز الحكيم، ليس بيد العباد منها شيء إلا السعي في تحصيل خيراتها، ودفع مضراتها، ويعلم العبد أنه إذا صرف فكره عن قلقه من أجل مستقبل أمره، واتكل على ربه في إصلاحه واطمأن إليه في ذلك، إذا فعل ذلك اطمأن قلبه وصلحت أحواله، وزال عنه همه وقلقه.
ومن أنفع ما يكون في ملاحظة مستقبل الأمور استعمال هذا الدعاء الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو به: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر". أخرجه مسلم."
وكذلك قوله:"اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت". أخرجه أبو داود بسند حسن، فإذا لهج العبد بهذا الدعاء الذي فيه صلاح مستقبله الديني والدنيوي بقلب حاضر، ونية صادقة، مع اجتهاده فيما يحقق ذلك، حقق الله له ما دعاه ورجاه وعمل له، وانقلب همه فرحا وسرورا.
السبب السابع من أسباب السعادة: تقدير أسوأ الاحتمالات عند حصول المكروه:
من أنفع الأسباب لزوال القلق والهموم إذا حصل على العبد من النكبات، أن يسعى في تخفيفها بأن يقدر أسوأ الاحتمالات التي ينتهي إليها الأمر، ويوطن على ذلك نفسه، فإذا فعل ذلك فليسع إلى تخفيف ما يمكن تخفيفه بحسب الإمكان، فبهذا التوطين، وهذا السعي النافع، تزول همومه وغمومه، ويكون بدل ذلك السعي في جلب المنافع، وفي رفع المضار الميسورة للعبد، فإذا حلت به أسباب الخوف، وأسباب الأسقام، وأسباب الفقر والعدم لما يحبه من المحبوبات المتنوعة، فليتلق ذلك بطمأنينة وتوطين للنفس عليها، بل على أشد ما يمكن منها، فإن توطين النفس على احتمال المكاره، يهونها ويزيل شدتها وخصوصا إذا أشغل نفسه بمدافعتها بحسب مقدوره، فيجتمع في حقه توطين النفس مع السعي النافع الذي يشغل عن الاهتمام بالمصائب، ويجاهد نفسه على تجديد قوته المقاومة للمكاره، مع اعتماده في ذلك على الله، وحسن الثقة به.
ومثال ذلك: أن يخبر شخص آخر بأنه قد خسر في تجارته، فليقدر بأنه خسر خسارة كبيرة جدا وليوطن نفسه على ذلك، فإذا سمع الخبر وأنه خسر أقل من ذلك بكثير ارتاح واطمأن لذلك.
وكذلك لو أخبر شخص آخر بوقوع حادث لابنه، فليقدر أسوا الاحتمالات وهو الموت مثلا، فإذا سمع الخبر وأنه جرح جرحا او كسر كسرا هانت عليه المصيبة، وارتاح واطمأن لذلك.
ولا ريب أن لهذه الأمور فائدتها العظمى في حصول السرور وانشراح الصدور، مع ما يؤمله العبد من الثواب العاجل والآجل، وهذا مشاهد مجرب، ووقائعه ممن جربه كثيرة جدا.
السبب الثامن من أسباب السعادة: قوة القلب وعدم انزعاجه وانفعاله للأوهام والخيالات التي تجلبها الأفكار السيئة، وهو من أعظم العلاجات لأمراض القلب العصبية، بل وأيضا للأمراض البدنية، لأن الإنسان متى استسلم للخيالات، وانفعل قلبه للمؤثرات من الخوف من الأمراض وغيرها ومن الغضب والتشوش من الأسباب المؤلمة، ومن توقع حدوث المكاره وزوال المحاب، أوقعه ذلك في الهموم والغموم والأمراض القلبية والبدنية، والانهيار العصبي الذي له آثاره السيئة، التي قد شاهد الناس مضارها الكثيرة، ومتى اعتمد القلب على الله، وتوكل عليه، ولم يستسلم للأوهام، ولا ملكته الخيالات السيئة، ووثق بالله، وطمع في فضله، اندفعت عنه بذلك الهموم والغموم وزال عنه كثير من الأسقام البدنية والقلبية، وحصل للقلب من القوة والانشراح والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، فكم ملئت المستشفيات من مرضى الأوهام والخيالات الفاسدة، وكم أثرت هذه الأمور على قلوب كثير من الأقوياء، فضلا عن الضعفاء، وكم أدت إلى الحمق والجنون، والمعافى من عافاه الله ووفقه لجهاد نفسه لتحصيل الأسباب النافعة المقوية للقلب، الدافعة لقلقه، قال تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) أي: كافيه جميع ما يهمه من أمر دينه ودنياه، فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام، ولا تزعجه الحوادث لعلمه أن ذلك من ضعف النفس، ومن الخور والخوف الذي لا حقيقة له، ويعلم مع ذلك أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة، فيثق بالله ويطمئن لوعده، فيزول همه وقلقه، ويتبدل عسره يسرا، وترحه فرحا، وخوفه أمنا، فنسأله تعالى العافية ، وأن يتفضل علينا بقوة القلب وثباته، وبالتوكل الكامل الذي تكفل الله لأهله بكل خير، ودفع كل مكروه وضير.
السبب التاسع من أسباب السعادة: تذكر المحاسن والغض عن المساوئ، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأسباب في قوله:"لا يفرك - أي يبغض - مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر". أخرجه مسلم.
وفيه فائدتان عظيمتان:
إحداهما: الإرشاد إلى معاملة الزوجة والقريب والصاحب والعامل، وكل من بينك وبينه علاقة واتصال، وأنه ينبغي أن توطن نفسك على أنه لابد أن يكون فيه عيب و نقص، أو أمر تكرهه، فإذا وجدت ذلك، فقارن بين هذا وبين ما يجب عليك أو ينبغي لك من قوة الاتصال والإبقاء على المحبة بتذكر ما فيه من المحاسن، والمقاصد الخاصة والعامة، وبهذا الإغضاء عن المساوئ وملاحظة المحاسن، تدوم الصحبة والاتصال وتتم الراحة وتحصل لك.
الفائدة الثانية: وهي زوال الهم والقلق وبقاء الصفاء، والمداومة على القيام بالحقوق الواجبة والمستحبة، وحصول الراحة بين الطرفين، ومن لم يسترشد بهذا الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - بل عكس القضية فلحظ المساوئ وعمي عن المحاسن، فلابد أن يقلق، ولابد أن يتكدر ما بينه وبين من يتصل به من المحبة، ويتقطع كثير من الحقوق التي على كل منهما المحافظة عليها.
وكثير من الناس ذوي الهمم العالية يوطنون أنفسهم عند وقوع الكوارث والمزعجات على الصبر والطمأنينة، لكن عند الأمور التافهة البسيطة يقلقون ويتكدر الصفاء، والسبب في هذا أنهم وطنوا نفوسهم عن الأمور الكبار، وتركوها عند الأمور الصغار، فضرتهم وأثرت في راحتهم، فالحازم يوطن نفسه على الأمور القليلة والكبيرة، ويسأل الله الإعانة عليها، وأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، فعند ذلك يسهل عليه الصغير، كما يسهل عليه الكبير، ويبقى مطمئن النفس ساكن القلب مستريحا.
السبب العاشر من أسباب السعادة: أن يعلم العاقل أن حياته الصحيحة حياة السعادة والطمأنينة وأنها قصيرة جدا، فلا ينبغي له أن يقصرها بالهم والاسترسال في الأكدار، فإن ذلك ضد الحياة الصحيحة، فيشح بحياته أن يذهب كثير منها نهبا للهموم والأكدار، ولا فرق في هذا بين البر والفاجر، ولكن المؤمن له من التحقيق بهذا الوصف الحظ الأوفر، والنصيب النافع العاجل والآجل.
وينبغي أيضا إذا أصابه مكروه أو خاف منه، أن يقارن بين بقية النعم الحاصلة له دينية أو دنيوية، وبين ما أصابه من مكروه، فعند المقارنة يتضح كثرة ما هو فيه من النعم واضمحلال ما أصابه من المكاره، وكذلك يقارن بين ما يخافه من حدوث ضرر عليه وبين الاحتمالات الكثيرة في السلامة منها، فلا يدع الاحتمال الضعيف يغلب الاحتمالات التي يمكن أن تصيبه، فيوطن نفسه لحدوثها إن حدثت، ويسعى في دفع ما لم يقع منها، وفي رفع ما وقع أو تخفيفه.