ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
ملخص الخطبة
1-علقت النصوص القرآنية النجاة بالعمل الصالح. 2- العمل الصالح يشمل أعمال القلوب والجوارح. 3- من العمل الصالح ما هو إحسان إلى الخلق. 4- الدعوة إلى الله من أفضل العمل الصالح لتعدي نفعها. 5- وجوب العمل على تغيير المنكرات في مجتمعنا. 6- صلاح العمل مرتبط بصلاح النية. 7- عاقبة العمل الصالح في الدنيا والآخرة.
الخطبة الأولى
أما بعد:
إن للعمل الصالح مكانة عظيمة جدًا في شريعة الإسلام. إنه ثمرة الإيمان بالله وباليوم الآخر وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم. ولأهمية العمل الصالح: تجد هذا الحشد الهائل من الآيات في كتاب الله.
فمرة تقرنه بالإيمان، ومرة تبين جزاءه الحسن، وأخرى تصرح بأن ما ينفع الإنسان في آخرته، هو الأعمال الصالحة، وتارة تبين الآيات بأن الأعمال الصالحة سبب لتفكير السيئات، وغفران الذنوب، وتارة تبين بأن الخسارة تلحق الإنسان لا محالة إلا من آمن وعمل الصالحات، فمن هذه الآيات قول الله تعالى:
وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم.
الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب.
من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا.
ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير مردًا.
والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون.
والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين.
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم.
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودًا.
ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا.
والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
أيها المسلمون: إن الأعمال الصالحة، ميدانها واسع ولله الحمد في دين الإسلام، وهذا من نعم الله جل وعلا، والذي يقصر في باب بعد إتيانه بالأركان. يمكنه أن يزيد في باب آخر.
إن مفهوم الأعمال الصالحة شامل، في شريعة رب العالمين، يدخل فيها أعمال القلوب والجوارح في الظاهر والباطن، في القوى والملكات، والمواهب، والمدركات، أعمال خاصة وأعمال عامة، أعمال فردية وأخري جماعية.
هناك من الأعمال الصالحة ما لو عملها الإنسان فإنها تمتد معه إلى ما بعد الممات، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له، هناك أعمال يومية يقوم بها الإنسان، إذا صحت بها النوايا، و استقامت على الطريقة دخلت في صحائف صالح الأعمال.
إن الأعمال الصالحة كما أسلفنا ميدانها واسع، بل ميادينها فسيحة، من أعمال بدنية ولسانية وقلبية، فالشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج في مقدمة الأعمال الصالحة. وبقية الواجبات والفرائض والمندوبات والمستحبات، من الأعمال الصالحة (( الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ) ).
وإذا أردتم أيها الأحبة مزيدًا من طرق الأعمال الصالحة، فبر الوالدين، وصلة الأرحام وإكرام الضيف والجار، والجهاد في سبيل الله وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم، ودعوة ترفعها تدعوا بها لإخوانك المسلمين في كل مكان.
ومن الأعمال الصالحة، أن تواسي فقيرًا وتكفل يتيمًا وتعود مريضًا وتنقذ غريقًا وتساعد بائسا، وتنظر معسرًا، وترشد ضالًا وتهدي حيرانًا، وتعين محتاجًا، بل ومن الأعمال الصالحة هذا السؤال من الصحابي، ثم هذا الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله: وإن لنا في البهائم لأجرا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (( في كل ذات كبد رطبة أجر ) ) [متفق عليه] . (( ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة ) ) [متفق عليه] .
ثم إليك أخي المسلم جملة من الأعمال اللسانية، وكلها تصب في نهر الأعمال الصالحة: ذكر، ودعاء، وأمر بمعروف، ونهى عن منكر، وتعليم للعلم النافع، ناهيك عن الشفاعة الحسنة، تفك بها أسيرا، وتحقن بها دمًا، وتجر بها معروفًا، وتدفع بها مكروهًا. (( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ) )ثم التبسم في وجه أخيك، ورد السلام، تشميت العاطس وكل قول جميل وكلام طيب، منطوقًا ومكتوبًا، مذاعًا أو منشورًا.
أما الأعمال الصالحة القلبية، فبابها أوسع من أن يغلق دونه أحد. إيمان بالغيب والحب والبغض لله، والغضب والرضاء والخوف والرجاء، والخشية والصبر والتذلل للمولى جل وعلا والانكسار بين يديه، وتعلق القلب بالمساجد.
ومن ذلك الأعمال الفكرية، من التخطيط والتفكير والتأمل والعزم والتصميم بشرط أن تصب في خدمة الإسلام.
بل إن النيات والمقاصد لها في الإسلام شأن عظيم، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل إمري ما نوى.
أيها المسلمون: لا شك بأن الأعمال الصالحة كلها خير، وأي باب سلك المسلم فهو إن شاء الله على خير، لكن لابد أن يعلم بأن بين الأعمال الصالحة تفاوت وتفاضل، كما بين السماء والأرض، وكل ما كان العمل الصالح نفعه متعدٍ للآخرين فلاشك في أفضليته فيما إذا كان العمل الصالح قاصدًا نفعه على المرء نفسه، وبهذه المناسبة لابد من كلمة ونحن نتحدث عن الأعمال الصالحة، بأن في مقدمة الأعمال الصالحة في هذا الزمان مما هو نفعه متعدي: الدعوة إلى الله عز وجل. ومحاولة جر الآخرين إلى طريقة الهداية، وانتشال الناس من هذا الوحل والطين الذي هم غارقون فيه إلى حياة طيبة كريمة، هذا في الدينا، ثم: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولًا. أي خير لك أخي المسلم، وأية منّة من الله جل وتعالى، أن يكون لك شرف المشاركة في الدعوة إلى الله عز وجل.
كم في أوضاعنا من فساد يحتاج إلى تغيير، وكم في مجتمعاتنا منكرات تحتاج إلى إزالة بل وكم في حياتنا الشخصية من أمور وأمور تخالف تعاليم الإسلام.
بماذا تتصورون أن يتغير كل هذا، هل يغيرها التسبيح والتمحيد والتهليل؟ أم يغيرها بر الوالدين وصلة الأرحام؟ إنه لا يغيرها إلا الدعوة إلى الله عز وجل، وعندما نقول بأن كل مسلم ينبغي أن يكون له شرف المشاركة في الدعوة، فإن هذا لا يعني ما يفهمه الناس خطأ، وهذا الفهم مع كل أسف تفكير كثير من المسلمين، وهو أنه يعتقد أنه لا يصلح للدعوة، إلا إذا كان خطيبًا مفوها، أو عالمًا بارزًا ،أو فقيًا أو قاضيًا أو على الأقل خريجًا لإحدى الكليات الشرعية، وهذا فهم قاصر بل خاطئ، إذا كان الأمر كذلك فإن معنى هذا بأن عدد المصلحين والناصحين في منطقة صغيرة كمنطقتنا، يعدون على أصابع اليد الواحدة، إن كل فرد منا أيها الأخوة، يصلح أن يكون داعية، بحدود قدراته وإمكانياته، بشرط أن يكون محبًا للأعمال الصالحة ويكون من أهل الأعمال الصالحة.
وأنت تسير في طريقك من البيت إلى المسجد، فترى شخصًا على خطأ ما تنصحه بالكلمة الطيبة هذه دعوة، تدخل بقالة لتشتري بعض حاجياتك فترى شيئًا يخالف الشرع، تنصح فاعله بكلمة هادفة، هذه دعوة، تدخل بيتك فترى الزوجة مقصرة في بعض الواجبات، تنصحها ترشدها، هذه دعوة، أحد أبناءك أو بناتك تراه يفعل ما لا يرضى الله، تقدم له النصيحة ثم التربية السليمة، هذه دعوة.
زملاؤك في العمل ممن تحتكُّ بهم يوميًا تجد أن هذا يدخن، والثاني: يتأخر عن عمله يوميًا، والثالث: مهمل وغير مبالٍ لمعاملات الناس، والرابع: لا يتورع من أكل وسرقة المال العام، والخامس والسادس والسابع.
فمن الواجب عليك شرعًا أمام الله عز وجل، أن تدعوا هؤلاء، كلمة لهذا، ونصيحة لهذا، وجلسة انفرادية مع الثالث، وتوجيه وإرشاد للرابع، أما أن تبقى ساكتًا وأنت ترى هذا الفساد الإداري، وهذه المخالفات الشرعية، ثم لا تحرك ساكنًا، فأخشى أن تكون ممن يشاركهم في الإثم، لأنك ترى الخطأ، وتعلم عنه ثم تغض الطرف.
أيها الأحبة: إن الخطبة ليست عن الدعوة إلى الله وسيكون لنا كلام طويل في المستقبل إن شاء الله تعالى حول هذا الموضوع، لكنها خاطرة خطرت في موضوع العمل الصالح. الذين كفروا وصدوا عن سيبل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم.
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
أما بعد:
اعلموا رحمني الله وإياكم ،بأن صلاح العمل مرتبط بصلاح النية، والعكس صحيح فإن فساد العمل مرتبط بفساد النية، فلو جاءنا شخص ما - وقدم أعمالًا صالحة، أمام الناس، من بناء للمساجد، ومساعدة للأيتام وبذل في وجوه الخير، ونحن نعلم سوء طوية هذا الرجل والعياذ بالله، وفساد نيته فنقول، بأن أعمالك مردودة عليك، ومن حكمة الله تعالى ولطفه وإحسانه أن جعل لأهل الإيمان والهدى والأعمال الصالحة، علامات يعرفون بها، كما جعل لأهل المعصية والفجور والخيانة، صفات يعرفون بها، وإن تظاهروا أمام الناس بالصلاح، وإن ادعوا أنهم يخدمون الإسلام، ويعطفون على الفقراء والأيتام.
قال الله تعالى في حق المؤمنين المتقين تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود وقال في حق المنافقين المخادعين، الذين يتربصون بالمؤمنين الدوائر أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم وقال عز وجل: يعرف المجرمون بسيماهم المقصود أن الله تعالى ميز أهل الإيمان والأعمال الصالحة الصادقة، أولئك الذين لهم قدم صدق في الإسلام بعلامات لا يمكن أن تخفى أو تلبس على الناس، وفي المقابل ميز تعالى أهل الإجرام وأهل النفاق وأهل الأعمال الصالحة الكاذبة بعلامات لا يمكن أن تخفى على عباد الله المؤمنين. قال الله تعالى: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار، وقال عز وجل: وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلًا ما تتذكرون، وقال سبحانه: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون.
واسمع بعد هذا إلى هذا الكلام الجزل المتين للإمام ابن القيم رحمه الله في كتابة أعلام الموقعين (4/200) حيث يقول: وقد جرت عادة الله التي لا تبدل، وسنته التي لا تحول، أن يلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه، ما هو بحسب إخلاصه ونيته، ومعاملته لربه، ويلبس المرائي اللابس ثوبي الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به، فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت والبغضاء. انتهي كلامه رحمه الله.
وصدق والله ابن القيم، فإن الأمة تعرف مخلصيها، ويقذف الله في قلوب أبناء الأمة محبة لهؤلاء المخلصين، بحسب إخلاصهم ونياتهم ومعاملتهم مع ربهم، ولا يمكن أن يلبس على الناس بغير هذا، كما أن الأمة تعرف مجرميها ويقذف الله البغض في قلوب أبناء الأمة، بحسب جرمهم وخبثهم وخياناتهم، وإن تظاهروا بالصلاح والاستقامة، ولا يمكن أيضًا أن يلبس على كل الناس، وفي النهاية تكون العاقبة والتمكين لأهل الأعمال الصالحة، لا لأهل الأعمال الخبيثة، قال الله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون.
أيها المسلمون: إذا كانت العاقبة لأهل صالح الأعمال، والخسارة والبوار لأهل سيء الأعمال، فمن العقل ومن الحكمة ،و من مصلحة الجميع أن لا نوكل أعمالنا الخاصة والعامة إلا لمن نعلم أنه من أهل صالح الأعمال، وذلك لكي يسيِّر أعمالنا بصلاحه، أما ذلك الذي ملوث ليلة مع نهاره بسيء الأعمال، لا يقوم ولا يقعد، ولا يتكلم إلا بنفاق ودجل، فهذا لا يصلح أن يعاشر الناس أصلًا، فضلًا أن يولى أمانات، ويوثق على أموال وأعراض وحرمات المسلمين قال الله تعالى: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات.
من أراد أن يجعل الحيات والعقارب يعاشرون الناس، هل يصلح هذا؟ لا يصلح.
من أراد أن يجعل الكذاب شاهدًا على الناس هل يصلح هذا؟ لا يصلح.
من أراد أن يجعل الجاهل معلمًا للناس مفتيًا لهم، هل يصلح هذا؟ لا يصلح.
من أراد أن يجعل الجبان مقاتلًا مدافعًا عن الناس هل يصلح هذا؟ لا يصلح.
من أراد أن يجعل الأحمق سائسًا للناس، هل يصلح هذا ؟ لا يصلح.
وكذلك أن يجعل صاحب الأعمال السيئة والنوايا السيئة في مصالح المسلمين الخاصة والعامة ولو حصل شيء مما سبق ذكره، فإنه هذا يوجب فساد المجتمع وخراب الأوضاع وتدهور الحال.
فنسأل الله جل وتعالى، أن يصلح أحوالنا، ويصلح نياتنا، ويصلح أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ــــــــــــــــ