فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 114

فهذه نماذج من النعيم المقيم الذي يلقاه أهل الإيمان في دار النعيم نسأل من الله العزيز القدير أن يجعلنا من أهل الجنة بمنه وفضله وكرمه إنه على ما يشاء قدير.

وليس المقصود هنا حصر نعيم أهل الجنة فليس المقام لذلك فهناك في الجنة لأهل الإيمان من أنواع النعيم ما لم تسمع به أذن ، ولا رأته عين ، ولا خطر على قلب ، كما جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"فاقرؤوا إن شئتم: ?فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ? [ السجدة:17 ] ."، والمقصود ذكر طرف من هذا النعيم الذي ينعم به أهل الإيمان في الحياة الآخرة لتظهر لنا من خلاله الثمار العظيمة التي تحصل لأهل الإيمان في الآخرة."

ثانيًا: الثمار الخاصة:

وهناك ثمار للإيمان تتعلق في بعض قضايا الإيمان كأركان الإيمان الستة، وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية، وخاتم الرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومحبة الصحابة الكرام وغيرها من القضايا الإيمانية فالإيمان بها يورث المؤمن جملة من الثمار، فهي وإن كانت خاصة إلا أنها تدخل بالجملة في ثمار الإيمان بشكل عام، وهي كثيرة ولكننا سوف نتحدث إن شاء الله تعالى عن بعض هذا الثمار في بعض قضايا الإيمان ليتبين لنا عظمة قضية الإيمان التي هي أعظم القضايا فمن أجلها خلق الله - عز وجل - السموات والأرض ، وخلق الجنة والنار، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وفرض الجهاد ،وانقسم الناس فيه إلى مؤمنين وكفار ...، ويتبين عظيم ما يحصل للمسلم من الثمار العظيمة والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.

وأول ما نبدأ الحديث عنه ثمار الإيمان في بعض أركان الإيمان.

1-ثمار الإيمان بالله - سبحانه وتعالى-:

فالإيمان بالله - عز وجل - أكثر من أن تحصى ثماره وما ذكر في الثمار العامة في الدنيا والآخرة ما هي إلا طرف مما يلقاه العبد المؤمن وخلاصة القول بأن ثمار الإيمان بالله - عز وجل - هو حصول المؤمن على كثير من خيرات الدنيا والآخرة، وجلب الخيور، ودفع الشرور كلها، والفوز والفلاح.

والإيمان بالله - عز وجل- يتضمن الإيمان بوجوده سبحانه ، والإيمان بألوهيته، وتفرده بالربوبية، والإيمان بأسمائه وصفاته، والحديث سيكون على الثمار التي يجنيها المؤمن من هذا التوحيد:

فتوحيد الله، وإفراده بالعبادة أجَلُّ النِّعم وأفضلها على الإطلاق،وفضائله وثمراته لا تعد ولا تحصى، نذكر طرفًا من هذه الفضائل:

1-أعظم النعم: فتوحيد الألوهية من أعظم النعم التي أنعم الله على بها على عباده، حيث هداهم إليه، كما جاء في سورة النحل التي تسمى سورة النعم،فالله عز وجل قدم نعمة التوحيد على كل نعمة، فقال سبحانه:? يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ? [النحل: 2] .

2-عبادة المولى تبارك وتعالى: فهو الغاية التي من أجلها خلق الجن والإنس: قال سبحانه: ? وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ? [الذاريات: 56] .

3-أنزال الكتب: فمن ثمرات هذا التوحيد إنزال الكتب التي تحمل الهداية والنور للبشرية ، وخاتم هذه الكتب القرآن الكريم قال تعالى: ? آلر *كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ? [هود: 1 - 2] .

4-تفريج الكرب: فهو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، ودفع عقوبتهما كما في قصة يونس عليه السلام.

5-منع الخلود في النار: فمن ثماره العظيمة أنه يمنع صاحبه من الخلود في النار، إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل كما قال صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان"، قال الإمام النووي: فالمراد دخول الكفار وهو دخول الخلود.

6-منع دخول النار بالكلية: ومن ثماره أنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية كما في حديث عتبان في الصحيحين؛ قال عليه الصلاة والسلام:"فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله".

7-حصول الاهتداء الكامل والأمن التام لأهله في الدنيا والآخرة: قال سبحانه: ? الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ? [الأنعام: 82] .

8-حصول الرضا: فهو من أهم الأسباب لنيل رضا الله وثوابه.

9-حصول الشفاعة: فصاحبه من أسعد الناس بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فعن أبي هريرة أنه قال:"قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه".

10-ترتب قبول الأعمال عليه: جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها، وفي كمالها، وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت.

11-يسهل على العبد فعل الخيرات: ويعينه على ترك المنكرات، ويسليه عن المصيبات؛ فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات؛ لما يرجوه من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي؛ لما يخشى من سخطه وأليم عقابه.

12-تحبيب الإيمان في القلب: فالتوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان، وزيّنه في قلبه، وكره إليه الكفر، والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين قال سبحانه: ?وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ? [الحجرات:7] .

ففي الآية خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخبرون بالباطل أي جعل الإيمان أحب الأديان إليهم وحسنه في قلوبهم فلا يقع منهم إلا ما يوافقه ويقتضيه من الأمور الصالحة.

13-تحرر العبد: من رق المخلوقين ومن التعلق بهم، وخوفهم، ورجائهم، والعمل لأجلهم.

وهذا هو العز الحقيقي، والشرف العالي، فيكون بذلك متألهًا متعبدًا لله، فلا يرجو سواه، ولا يخشى غيره، ولا ينيب إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه.

14-التوفيق والتسديد: فالله تكفل لأهله بالفتح والنصر، والعز والشرف، وحصول الهداية، والتيسير، وإصلاح الأحوال، والتسديد في الأقوال والأفعال، ويمن عليهم بالحياة الطيبة، والطمأنينة إليه وبذكره.

وشواهد ذلك من الكتاب والسنة كثيرة، فمن حقق التوحيد حصلت له هذه الثمار كلها وأكثر منها، والعكس بالعكس.

ثمرات توحيد الأسماء والصفات:

العلم بأسماء الله وصفات، والإيمان بها وتدبرها، وفهمها يورث ثمرات عظيمة وفوائد جليلة ذكرها العلماء نذكر طرفًا منها على وجه الإيجاز:-

1 -طريق معرفة الله:

فالعلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفته، فالله خلق الخلق ليعرفوه، ويعبدوه، وهذا هو الغاية المطلوبة منهم؛ فالاشتغال بذلك اشتغال بما خُلق له العبد، وتركه وتضييعه إهمال لما خُلق له ، وقبيح بعبد لم تزل نِعَمُ الله عليه متواترة أن يكون جاهلًا بربه، معرضًا عن معرفته، يقول ابن القيم: ولا يستقر للعبد قدم في المعرفة حتى يؤمن بصفات الرب جل وعلا، ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه، فالإيمان بالصفات وتعرفها هو أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وثمرة الإحسان.

2 -محبة الله: فمعرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له: وهذا هو عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته والتفقه بمعانيها، وأحكامها، ومقتضياتها.

3-الإقتداء: ومن ثمرات الإيمان بصفات الرب تبارك وتعالى أن العبد يسعى إلى الاتصاف والتحلي بها على ما يليق به، فالمحب يحب أن يتصف بصفات محبوبة، فأحب الخلق إلى الله تعالى من اتصف بالصفات التي يحبها الحق تبارك وتعالى وابغضهم إليه من اتصف بالصفات التي يكرهها.

4 -تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد: وهذه الثمرة من أجل الثمرات التي تحصل بمعرفة أسماء الله وصفاته، فالشريعة المنزلة من عند الله تهدف إلى إصلاح الإنسان، وطريقُ الصلاح هو إقامة العباد على منهج العبودية لله وحده لا شريك له، والعلمُ بأسماء الله وصفاته، يعصم ـ بإذن الله ـ من الزلل، ويفتح للعباد أبواب الأمل، ويثبت الإيمان، ويملأ قلبه بأجل المعارف والألطاف.

فمثلًا أسماء العظمة تملأ القلب تعظيمًا وإجلالًا لله، فتثمر الخضوع والاستكانة والمحبة .

وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة له ، وشوقًا إليه ، ورغبة بما عنده ، وحمدًا وشكرًا له.

وأسماء العزة ، والحكمة ، والعلم ، والقدرة ـ تملأ القلب خضوعًا وخشوعًا وانكسارًا بين يديه ـ عز وجل ـ وهكذا

5 -الإنزجار عن المعاصي: ذلك أن النفوس قد تهفو إلى مقارفة المعاصي ، فتذكر أن الله يبصرها ، فتستحضر هذا المقام وتذكر وقوفها بين يديه ، فتجانب المعصية .

6 -التوبة من المعصية: فتضيق عليه الأرض بما رَحُبت، ويأتيه الشيطان؛ ليجعله يسيء ظنه بربه، فيتذكر أن من أسماء الله"الرحيم، التواب، الغفور"فلا يتمادى في خطيئته، بل ينزع عنها، ويتوب إلى ربه، ويستغفره فيجده غفورًا توابًا رحيمًا.

7 -اللجوء إلى الله: ومنها أن العبد تتناوشه المصائب، والمكاره، فيلجأ إلى الركن الركين، والحصن الحصين، فيذهب عنه الجزع والهلع، وتنفتح له أبواب الأمل.

8 -الشجاعة: فعند مقارعة الأشرار، وأعداء دين الله من الكفار والفجار، فيجدُّون في عداوته، وأذيته، ومنع الرزق عنه، وقصم عمره ،وإلحاق الأذى به فعندما يعلم العبد بتفرد الرب تبارك وتعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه ظاهرًا وباطنًا.

9 -زيادة الإيمان: فالعلم بأسماء الله وصفاته من أعظم أسباب زيادة الإيمان، وذلك لما يورثه في قلوب العابدين من المحبة ، والإنابة ، والإخبات ، والتقديس ، والتعظيم للباري ـ جل وعلا ـ قال سبحانه:? وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ? [محمد: 17] .

10 -من أحصاها دخل الجنة: فمن أحصى تسعة وتسعين اسمًا من أسماء الله دخل الجنة، قال - صلى الله عليه وسلم:"إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة".

وهناك ثمار كثيرة لهذا التوحيد، فما من صفة لله تعالى، أو اسم من الأسماء إلا ولها ثمار عظيمة، وآثار كبيرة ، وهذا من فضل الله -عز وجل- على أهل التوحيد.

2-ثمار الإيمان بالرسل الكرام:

إيمان المؤمن بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام له آثار عظيمة وثمرات كثيرة يجنيها المؤمن نذكر منها:

1-معرفة رحمه الله: فالإيمان بالرسل الكرام يعرّف الإنسان رحمة الله - عز وجل - بخلقة وعنايته سبحانه بهم حيث أرسل الرسل إليهم ليهدوهم إلى الطريق الصحيح، ويبينوا لهم كيف يعبدون الله - عز وجل- عبادة يرضاها ويقبلها قال تعالى: ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ? [الأنبياء:107] .

وقال سبحانه: ? َقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ ? [آل عمران:164] .

وقال عز وجل: ?وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُو الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ? [إبراهيم:4] .

2-شكر الله تعالى على هذا النعمة:

فإرسال الرسل نعمة أنعم الله بها على الناس قال تعالى:? كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ? [البقرة:151] ، ففي هذه الآية يُذكر الله - تبارك وتعالى- عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، يتلو عليهم آيات الله مبينات وَيُزَكِّيهم... فالناس قبل أرسل الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا في جاهلية جهلاء فانتقلوا ببركة رسالته، ويُمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرهم قلوبًا، وأقلهم تكلفًا، وأصدقهم لهجة... .

3-محبة الرسل الكرام: ومن الثمار محبة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتعظيمهم والثناء عليهم بما يليق بهم؛ لأنهم قاموا بعبادة الله وتبليغ رسالته والنصح لعباده، قال صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين".

يقول ابن حجر: وفي هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر فإن الاحبية المذكورة تعرف به وذلك أن محبوب الإنسان أما نفسه وأما غيرها أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات هذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالا ومالا فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالسبب علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره.

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار".

قال في عمدة القاري: قال النووي هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام قلت كيف لا وفيه محبة الله ورسوله التي هي أصل الإيمان بل عينه....

فمحبة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هي من أعظم الثمار التي يحصل عليها المؤمن لعظيم النفع الذي حصل له من بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ،فكل من أمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير الناس تتفاوت في ذلك فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى.

4-أتباع الهدى: فمن الثمار التي يجنيها المؤمن من خلال إيمانه بالرسل الكرام أتباع الهدى الذي جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيتحقق للمؤمن الخير والهدى والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ? فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى? [طه:123 - 124] .

يقول ابن كثير: ?وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي? أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه، فتباع هدى الله - عز وجل - الذي جاء به الرسل الكرام يجنب الإنسان الضلال والشقاء في الدنيا والآخرة.

3-ثمار الإيمان بالملائكة:

الإيمان بالملائكة الكرام ثمراته عظيمة على المؤمن نذكر طرفًا منها:

1-عظمة الخالق: فالإيمان بهم يعرف المؤمن بعظمة خالقهم عز وجل وكمال قدرته وسلطانه: وهذه من أعظم الثمار فعظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق - سبحانه وتعالى- فخلق الملائكة الكرام أولي أجنحة يوحي بعظمة الخالق سبحانه قال تعالى: ?الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ? [فاطر:1] .

وقد جاء في الأحاديث رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام وله ستمائة جناح بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أذن لي أن أحدِّث عن ملك من ملائكةِ اللَّه من حملة العرشِ ، ما بين شحْمة أذنهِ إِلى عاتِقِهِ مسيرة سبعمائةِ عام".

فالمؤمن بذلك تزداد معرفته بخالقه وعظمته سبحانه، فهو على كل شيء قدير.

2-محبة الملائكة: على ما هداهم الله إليه من تحقيق عبادة الله على الوجه الأكمل ونصرتهم للمؤمنين واستغفارهم لهم قال تعالى: ?وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ? [الصافات: 165- 166] .

يقول ابن جرير: يقول تعالى مخبرًا عن ملائكته: ?وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ? لله لعبادته ? وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ? له، يعني بذلك المصلون له،وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وقال به أهل التأويل.

ومن ذلك: ما رواه مسروق بن الأجدع، عن عائشة أنها قالت: قال نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم:"مَا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيا مَوْضِعُ قَدَمٍ إلا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أو قائم"، فذلك قول الله: ? وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ?.

فالملائكة قائمة لله - عز وجل - بالعبادة والطاعة، فهم يسبحون بحمد الله قال تعالى: ?الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ? [غافر:7]

يقول ابن جرير:"الذين يحملون عرش الله من ملائكته، ومن حول عرشه، ممن يحفّ به من الملائكة ? يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ? يقول: يصلون لربهم بحمده وشكره? وَيُؤْمِنُونَ بِهِ? يقول: ويقرّون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويشهدون بذلك، لا يستكبرون عن عبادته".

وقال -عز وجل-: ? إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ? [الأعراف:206] .

فمن ثمرات ذلك أن يتشبه المسلم بالملائكة في مداومتهم على طاعة الله - عز وجل - والعبادة له.

3-عنايته الله - عز وجل- بعباده: حيث وكل بهم من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم وعنايتهم وكتابة أعمالهم وغير ذلك مما تتحقق به مصالحهم في الدنيا والآخرة مما يوجب عليهم شكره على هذا النعمة.

قال تعالى: ? لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ? [ الرعد: 11] .

والمعقبات: المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، ويكون بدلًا منه، وهم الحفظة من الملائكة في قول عامة المفسرين.

يقول ابن كثير: للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حَرَس بالليل وحَرَس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار.

4-المراقبة الدائمة - لله عز وجل-: فالمؤمن يعلم بالكرام الكاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيد فيديم المراقبة له سبحانه.

قال سبحانه: ? إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ* مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ? [ق:18] .

وقال سبحانه: ? وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ* كِرَامًا كَاتِبِينَ* يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ? [الانفطار:10-12] .

فقوله: ? وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ? وإن عليكم رُقَباء حافظين يحفظون أعمالكم، ويُحْصونها عليكم? كِرَامًا كَاتِبِينَ ? كراما على الله كاتبين يكتبون أعمالكم.

فالملائكة تكتب أقوال الإنسان وأفعاله من خير وشر فيشعر المؤمن بهذا الرقابة الدائمة عليه فيحسن العمل ويستحي أن يرى على غير ما هو مأمور به، فيستقيم على طاعة الله تعالى، فلا يعصيه لا في العلانية، ولا في السر.

5-الاستئناس بالملائكة في طاعة الله - عز وجل-: حيث أن الله - عز وجل- يثبت بهم أولياءه على طاعته قال تعالى: ? إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ? [ الأنفال:12]

فالمؤمن عندما يوقن أن معه في هذا الكون الفسيح أُلوفا من الملائكة تقوم بطاعة الله على أحسن حال وأكمل شأن يشعر بالأنس والطمأنينة، ويعلم بأن هناك من ينافسه على العبادة لله - عز وجل- فيجتهد في الطاعة والعبادة ،وتحصل له الاستقامة على أمر الله - عز وجل-.

6-البعد عن إيذاء الملائكة: فأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم وأكثر ما يؤذي الملائكة الصور والتماثيل والروائح الكريهة، وما يصدر من الإنسان من المعاصي والذنوب.

فعن أبي هريرة قال: قال:رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا ولا يؤذينا بريح الثوم".

وقال مرة:"من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم".

7-التنبه من الغفلة والتذكر الدائم للموت: فعندما يتذكر المؤمن ملك الموت الذي يقبض الأرواح يستعد للموت وينتبه من غفلته ويعلم أن الدنيا دار عمل، وأن ما فيها زائل لا يدوم، وأنها لحظات قد يأتيه رسل الله - عز وجل- في أي لحظة منها فيحسن العمل الصالح، والاستعداد لليوم الآخر.

قال تعالى: ? وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ? [الأنعام:61] .

يقول ابن جرير:"إن ربكم يحفظكم برسل يعقب بينها يرسلهم إليكم بحفظكم وبحفظ أعمالكم إلى أن يحضركم الموت وينزل بكم أمر الله فإذا جاء ذلك أحدكم توفاه أملاكنا الموكلون بقبض الأرواح ورسلنا المرسلون به ? وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ? في ذلك فيضيعونه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت