فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 114

8-تطهير العقيدة من الشرك: المسلم إذا آمن بوجود الملائكة الذين كلفهم الله بهذه الأعمال العظيمة تخلص من الاعتقاد بوجود مخلوقات وهمية تسهم في تسيير الكون، فيطهر المسلم عقيدته من شوائب الشرك وأدرنه، وكذلك عندما يعلم المسلم أن الملائكة لا ينفعون ولا يضرون إلا بإذن الله، وإنما هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فلا يعبدهم ولا يتوجه إليهم، ولا يتعلق بهم.

4-ثمار الإيمان بالكتب:

أنزل الله - عز وجل- عبر القرون على الأنبياء والرسل كتب فيها الخير الهدى والنور والضياء للبشرية والمسلم يؤمن بها فهي من أركان الإيمان الستة كما هو معلوم، والإيمان بها يحقق ثمار للمسلم نذكر منها:

1-الشعور بأن دين الله واحد: فإيمان المسلم بالكتب السماوية التي أرسلها الله - عز وجل - على الأنبياء والرسل السابقين يشعر بوحدة الدين فدين الله واحد قال تعالى: ? شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ? [الشورى: 13] . ويشعر بوحدة الرسل، ووحدة البشرية، وبالتالي الشعور بوحدة المنزل سبحانه وتعالى.

2-عناية الله تعالى بخلقه: يعلم المسلم عناية الله - عز وجل- بخلقه فإنزال الكتب على كل قوم منه سبحانه وتعالى ليهديهم ويرشدهم بها تدل على عنايته سبحانه بهم.

3-العلم بحكمة الله تعالى: حيث أنزل على كل قوم ما يناسبهم من الشرائع، وتناسب أحوالهم.

قال تعالى: ?لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا? [ المائدة: 48] .

قال ابن جرير: لكل قوم منكم جعلنا طريقا إلى الحق يؤمه، وسبيلًا واضحًا يعمل به.

فالله - عز وجل- شرع شرائع مختلفة لكل أمة من الأمم ما يناسبها فجعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، ولكن هذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن، وأما بعده فلا شرعة ولا منهاج إلا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

وبهذا يشعر المسلم بأن الإسلام الجامع لكل الديانات السماوية، والمسلمون هم أولى الناس بقيادة البشر إلى الخالق سبحانه وتعالى.

4-شكر نعمة الله في إنزال تلك الكتب: فهذه الكتب نور يستضيئون بها ،وهدى يسيرون عليه في الدنيا والآخرة، فهي نعمة عظيمة من الله - عز وجل - منّ بها على الناس فيتعيّن شكر الله على هذه النعم العظيمة كما في شكره على سائر النعم.

5-ثمار الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره:

الإيمان بالقضاء والقدر من أهم أركان الإيمان فهو قطب رحى التوحيد ونظامه، وهو سر من أسرار الله تعالى التي اختص به، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب.

قال الإمام أبو المظفر السمعاني-رضي الله عنه-: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفا النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى ضربت دونه الأستار واختص الله تعالى به وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب.

والمؤمن بالقضاء والقدر يجني من الإيمان به ثمار عديدة وفوائد جليلة في الدنيا والآخرة فمن جملة هذه الثمار والفوائد:

1-الاعتماد على الله تعالى: فالمسلم عند فعل الأسباب يعتمد على الله - عز وجل- لأنه مقدر الأسباب والمسببات.

فالمرء لا يدري ما يصيبه من خير أو شر، والمسلم عندما يعتمد على الله تعالى يبقى دائم الاتصال به مرتبطًا بخالقه، متوكلًا عليه، وهم مأمورون بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، والإيمان بأن الأسباب لا تعطي النتائج إلا بإذن الله، لأن الله هو الذي خلق الأسباب، وهو الذي خلق النتائج.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير، إحرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان".

يقول الإمام النووي:"احرص على طاعة الله تعالى والرغبة فيما عنده واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطاعة ولا عن طلب الإعانة".

فالحديث يتضمن الإيمان بالقدر لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا طاعة لله - عز وجل - إلا بمعونة وتوفيقه سبحانه ومن ظن أنه يستطيع أن يعبد الله - عز وجل - بلا معونته كما يزعم القدرية والمجوسية فقد جحد قدرة الله التامة ومشيئته النافذة وخلقه لكل شيء.

2-الراحة النفسية: فالمؤمن إذا أدرك أن كل شيء بقضاء وقدر عاش في راحة نفسية، وسكون في القلب، فلا يقلق بفوات محبوب أو حصول مكروه فكل شيء عنده بقضاء وقدر. قال تعالى: ?مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ? [التغابن:11] .

وقال سبحانه: ? مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ? [الحديد:22] . فكل ما يصاب به الناس من المصائب والأمراض والأوجاع مكتوب في كتاب من قبل أن يخلق الله - عز وجل- الأنفس يقول ابن جرير في معنى الآية: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في الأرض بجدوبها وقحوطها وذهاب زرعها وفسادها ? وَلا فِي أَنفُسِكُمْ ? بالأوصاب والأوجاع والأسقام ? إِلَّا فِي كِتَابٍ ? يعني إلا في أم الكتاب ? مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ? أي من قبل أن نبرأ الأنفس يعني من قبل أن نخلقها.

فالمؤمن يعش في هذا الدنيا المليئة بالمشاق مطمئن القلب لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه كما قال صلى الله عليه وسلم:"لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه"ثم قرأ: ? لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ? أي كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم ? وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ? أي من الدنيا.

فتسكن نفسه ويطمئن باله ، فإن من علم أن كل شيء بقدر هان عليه الأمر.

3-تهون على العبد المصائب: لعلمه بأن ذلك من عند الله سبحانه، وما كان من الله سبحانه فالرضى به والتسليم له شأن كل عاقل، فمن ثمرات الإيمان بالقدر أنه يورث العبد قدرة على مواجهة المصائب والمحن التي تنزل عليه فلا يستسلم لها، ولا تضعف نفسه بل يرضى ويسلم أمره للذي بيده سبحانه ويقول كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، فعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها - إلا أخلف الله له خيرا منها".

بل أمر المؤمن كله خير في السراء أو الضراء، فتهون عليه كل المصائب عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له".

4-ترك الإعجاب بالنفس: فالإيمان بالقدر يَعْرِف الإنسان قَدْر نفسه، فلا يتكبر ولا يَبْطُر ولا يتعالى أبدا؛ لأنه عاجز عن معرفة المقدورِ، ومستقبل ما هو حادث، وحصول النعم له من الله تعالى ما هي إلا بما قدره الله له من أسباب الخير والنجاح، فالإنسان يقرّ بعجزه وحاجته إلى ربه تعالى دائمًا.

5-الثبات عند المحن والشدائد: فالمسلم يواجه المحن ومشاق الحياة بقلب ويقين صادق فلا تهزه الأحداث والفتن لأنه يعلم أن هذا الحياة دار ابتلاء وامتحان، تتقلب فيها الأمور في كل لحظة, فالرعيل الأول من الصحابة الكرام واجهوا المحن والمصائب بالإيمان الصادق والعزم الثابت، وما ذاك إلا لإيمانهم بقضاء الله وقدره وإيمانهم بقوله تعالى: ? قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُو مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ? [التوبة:51] .

إن الإيمان بالقدر يبعث في القلوب الشجاعة والثبات على مواجهة الشدائد، ويقوي فيها العزائم، ، ولا تخاف الموت.

وصور الثبات كثيرة منها الثبات في ساحات الجهاد يحث يلوح الموت في الأفق فالإيمان بالقدر يبعث في النفوس الشجاعة والإقدام والثبات في ساحات القتال، لإيمان النفوس المؤمنة بأن الآجال محدودة، والأنفس معدودة، فلا تتقدم ولا تتأخر لنشاهد أروع الأمثلة على الثبات والصمود أمام الأعداء مهما كانت قوَّتهم، ومهما كان عددهم.

6-الإيمان بالقدر هو القوة الدافعة والطاقة المولدة للنشاط:

فهو يدفع الإنسان إلى العمل والإنتاج والثراء لأن المؤمن إذا علم أن الناس لا يضرونه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ولا ينفعونه إلا بشيء قد كتبه الله له فإنه يتوكل ولا يهاب أحد من المخلوقين، ولا يعتمد عليه وإنما يتوكل على الله، فالقدر من أكبر الدواعي التي تدعو الفرد إلى العمل والنشاط والسعي بما يرضي الله في هذه الحياة، والإيمان بالقدر من أقوى الحوافز للمؤمن لكي يعمل، ويُقدم على عظائم الأمور بثبات ويقين.

7-الصدع بالحق والجهر به:

ومن آثار الإيمان بالقدر أن الداعي إلى الله يصدع بدعوته، ويجهر بها أمام الكافرين والظالمين، لا يخاف في الله لومة لائم، يبين للناس حقيقة الإيمان ويوضح لهم مقتضياته، كما يبين لهم مظاهر الكفر والنفاق ويحذَرهم منها، ويكشف الباطل وزيفه، ويقول كلمة الحق أمام الظالمين، فإن المؤمن يفعل كل ذلك وهو راسخ الإيمان واثق بالله، متوكل عليه، يعلم أن كل شيء بقدر، صابر على كل ما يحصل له في سبيله؛ لأنه موقن أن الآجال بيد الله وحده، وأن الأرزاق عنده وحده، وأن العبيد لا يملكون من ذلك شيئا مهما وجد لهم من قوة يتقوون بها، وأعوان ينتصرون بهم.

8-القضاء على كثير من الأمراض:

والإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تعصف بالمجتمعات، وتزرع الأحقاد بين المؤمنين، وذلك مثل رذيلة الحسد، الذي يدفع العبد إلى الضغينة والحقد، فإن العبد إذا علم أن الله هو المعطي وهو المانع، وأن الرزق مقسوم، والأجل محدود، سلَّم أمره إلى الله، وقنع بما رُزِق ، وعلم أن ما كتب له سيأتيه، ولو لم يرد أهل الأرض، وأن ما لم يكتب لن يأتيه ولو أراد أهل الأرض.

فالمؤمن لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله؛ لأن الله هو الذي رزقهم وقدّر لهم ذلك، وهو يعلم أنه حين يحسد غيره إنما يعترض على القدر، فمن ثمار الإيمان بالقدر معالجة هذه الأمراض الناشئة عن عدم الرضا بالقضاء والقدر.

9-التحرر من الخوف: فمن ثمار الإيمان بالقدر تحرر العبد من الخوف إلا من الله جلَّ وعلا، فإذا علم المسلم أن لكل أجل كتاب، ولكل أمر مستقر، وأن نواصي العباد بيده سبحانه، لم يرهبه ظلم ظالم، ولا تجبر جبار.

10-الحرص على العمل الصالح: ومن ثمار الإيمان بالقدر الحرص على الأعمال الصالحة، لعلم العبد أن الموت قد يدهمه في أي لحظة، فيكون حاله كمن يسابق الزمن في سبيل التزود من عمل الخير.

11-شهود منه الله ونعمه على العباد: ومن فوائده: أنه يوجب للعبد شهود منة الله عليه فيما يمن به عليه من فعل الخيرات وأنواع الطاعات، فلا يعجب بنفسه ولا يدلي بعمله؛ لعلمه أنه تعالى هو الذي تفضل عليه بالتوفيق والإعانة وصرف الموانع والعوائق، وأنه لو وكل إلى نفسه لضعف وعجز عن العمل,كما أنه سبب لشكر نعم الله بما ينعم عليه من نعم الدين والدنيا. فإنه يعلم أنه ما بالعبد من نعمة إلا من الله وأن الله هو الدافع لكل مكروه ونقمة.

ثمار الإيمان باليوم الأخر:

الإيمان باليوم الأخر هو الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد البعث فهو إيمان بالأمور الغيبية التي تكون في يوم القيامة، والله - عز وجل - قد علق حصول التقوى والفلاح للإنسان في الدنيا والآخرة بالإيمان بما ذكره الله - سبحانه وتعالى- من الأمور الغيبية قال سبحانه: ? الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? [ البقرة:1-5] .

واليوم الأخر هو من جملة الأمور الغيبية التي أخبر بها سبحانه، والتي يحب على العبد الإيمان به، فالإيمان به يورث المسلم ثمار عظيمة يجدها في الحياة الدنيا فمن هذه الثمار:

1-الحرص على الأعمال الصالحة والزيادة منها:

فالإيمان باليوم الآخر واليقين به يزيد المؤمن حرصًا على الأعمال الصالحات والزيادة منها ، والابتعاد عن الأعمال السيئة فيستعد لهذا اليوم بما يحبه الله - سبحانه وتعالى- قال سبحانه: ? فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى? [النازعات: 37-41]

يقول ابن جرير: قوله تعالى: ? وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ? يقول: وآثر متاع الدنيا على كرامة الآخرة وما أعد الله فيها لأوليائه فعمل للدنيا وسعى لها وترك العمل للآخرة، ويقول: وأما من خاف مسألة الله إياه عند وقوفه يوم القيامة بين يديه فاتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه: ? وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ? ونهى نفسه عن هواها فيما يكرهه الله ولا يرضاه منها فزجرها عن ذلك وخالف هواها إلى ما أمره به ربه فإن الجنة هي مأواه ومنزله يوم القيامة.

وهذا الآية عامة في كل كافر آثر الحياة الدنيا على الآخرة كما قال الإمام القرطبي.

فالمؤمن يحرص على طاعة الله رغبة في ثواب ذلك اليوم، ويبتعد عن المعاصي خوفا من عقاب ذلك اليوم.

2-تسلية المؤمن: ففي اليوم الآخر تسلية للمؤمن عما يفوته من نعيم الدنيا ومتاعها بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها، ويعلم أن عمله لا يضيع بل سيجزى به بدار النعيم المقيم قال سبحانه: ? إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا* أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا? [ الكهف:30-31] .

3-المحاسبة للنفس: فمن ثمار الإيمان باليوم الآخر أن يحاسب المسلم نفسه؛ لأنه يعلم أين مصيره بعد موته ، ويعلم أنه ملاق جزاء عمله، إن خيرا فخيرًا وإن شرا فشرًا، وأنه سيوقف للمحاسبة، وسيقتص له ممن ظلمه ، وتؤخذ حقوق العباد منه لمن ظلمهم أو اعتدى عليهم.

4-إحياء المعاني والصفات الحميدة: فالإيمان باليوم الآخر يحي في نفوس المؤمنين معاني الصبر والاحتساب، والرضا، والعفو والبذل في سبيل الله عز وجل، فالمؤمن يعلم أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان وليست دار للجزاء والنعيم، فيعفو عمن ظلمة، ويقبل الأعذار، ويبذل وينفق في سبيل الله تعالى، ويضرب أروع الأمثلة في التضحية والفداء ويسعى إلى الخير ويقاوم الشر، لا يغش ولا يخدع، ولا يسرق، ولا يزني ...كل هذا لإيمانه باليوم الآخر.

5-الزهد في الدنيا: ومن ثمرات اليقين باليوم الآخر الزهد في الدنيا وعدم تعلق القلب بها فالمؤمن يعلم أنها دار متاع، وأنها مرحلة من مراحل الحياة ، وليست هي كل الحياة، والآخرة خير وأبقى فيرغب في الباقية ويزهد عن الفانية.

6-تحقيق الأمن والسلامة من الظلم: أن الإيمان بالله وباليوم الآخر يحقق للبشرية الأمن والسلام - في زمن عز فيه الأمن، ولم تتوقف فيه الحروب- وما ذاك إلا لأن الإيمان بالله وباليوم الآخر يلزم الإنسان أن يكف شره عن غيره في سره وفي علنه، فهو يردع الإنسان عن ظلم الآخرين وانتهاك حقوقهم، فإذا آمن الناس باليوم الآخر سلموا من ظلم بعضهم لبعض وحفظت حقوقهم.

7-كمال العدل الإلهي: فالمؤمن باليوم الأخر يستشعر كمال عدل الله تعالى حيث يجازي كلا بعمله مع رحمته بعباده، قال تعالى: ? وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ? [الأنبياء:47] .

8-راحة البال: فالإيمان باليوم الآخر هو إجابة لأهم الأسئلة من الذي خلقك؟ ولماذا خلقت؟ وإلى أين المصير بعد الموت؟ فالمؤمن يجد الجواب على هذه الأسئلة، فيعيش مطمئن البال، أما الكافر الذي لا يجد الجواب عليها يعيش في حيرة عظيمة وقلق دائم.

ثمار محبة الصحابة رضي الله عنهم: ومن ثمار الإيمان الخاصة التي تتعلق ببعض قضايا الإيمان الثمار التي يجنيها المؤمن من حبه للصحابة الكرام، ومعرفة قدرهم ومكانتهم واحترامهم. وهذه الثمار كثيرة نذكر طرفًا منها:

1-الفلاح والغلبة والنصر: فمن أهم ثمار المحبة للصحابة الكرام الفلاح والنصر في الدنيا والآخرة قال سبحانه وتعالى: ?وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ? [المائدة: 56] .

يقول ابن كثير:"فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة ومنصور في الدنيا والآخرة".

قد وقع ولله الحمد ما وعد الله به أولياءه وأولياء رسله وأولياء عباده المؤمنين من الغلبة على أعدائهم فإنهم غلبوا اليهود بالسبي والقتل والإجلاء وضرب الجزية حتى صاروا لعنهم الله أذل الناس....

2-الحشر معهم: ومن ثمار محبتهم في الآخرة ما يُرجى لمُحبّهم من الحشر معهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"جاء رجل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم فقال: يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم:"المرء مع من أحب"."

فحب الصحابة الكرام وإخلاص المحبة لهم يجعل المحب لهم يكون من زمرتهم وإن لم يعمل عملهم لثبوت التقارب بين قلوبهم وربما تؤدي تلك المحبة إلى موافقتهم، ففي هذا الحديث الحث على محبة الصالحين والأخيار فهي من أسباب الخلاص من النار.

3-الابتعاد عن صفات أهل النفاق: فمن ثمار محبة الصحابة الكرام أن المحب لهم يخلع عن نفسه صفة من صفات أهل النفاق ؛ فمن صفات أهل النفاق بغض الصحابة الكرام فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار".

وما ذاك إلا لسابقتهم ومجاهدتهم أعداء الله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضائل الصحابة الكرام كثيرة نعرفها من خلال تدبر أحوالهم وسيرهم وآثارهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته من المسابقة إلى الإيمان والمجاهدة للكفار ونشر الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلاء كلمة الله ورسوله وتعليم فرائضه وسننه ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع ولا علمنا من الفرائض والسنن سنة ولا فرضا ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئًا وكل هذا يوجب على المؤمن محبتهم والرضا عنهم.

4-ومن الثمار التقرب إلى الله - عز وجل- بمحبتهم: فالصحابة الكرام كانوا يتقربون إلى الله - عز جل - بمحبة أبي بكر وعمر ويعدون ذلك من أفضل أعمالهم فقد روى البخاري عن أنس - رضي الله عنه:"أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال متى الساعة ؟ قال:"وماذا أعددت لها ؟"قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقال:"أنت مع من أحببت". قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت. قال أنس فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم".

ومن الثمار الخاصة الثمار التي يجدها الفرد في حياته: فالإيمان يورث الكرامة والعزة في نفس المؤمن ليعش حياة مليئة بالعزة، يثمر له السعادة، والسكينة والرضا والأمن والحب والأمل والثبات عند الشدائد وغيرها كثير.

وثمار الإيمان يجدها الفرد المسلم سواءً في الجانب العقائدي وهو ما تحدثنا عنه سابقًا، أوفي الجانب الاجتماعي، من حيث الأمن، والراحة، ومن حيث الوقاية من الرذائل والفواحش، أوفي الجانب الأخلاقي من حيث التحلي بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة التي ينبغي أن يكون عليه الفرد المسلم، والأمر ينسحب على الجماعة المسلمة لتجني الثمار في هذه الجوانب، وتظهر فيه المعاني الحميدة والأخلاق الفاضلة من الإخلاص في العمل والتضحية والفداء والبذل والعطاء والتكافل والتعاون بين جميع الأفراد، وتنتشر بين أفرده روح المحبة والإخاء ،والرحمة، وتظهر فيه معاني القوة والعزة والكرامة، مجتمع منتج يسعى للتغيير والإصلاح، ينشر العدل والآمان فيتحقق له الفوز في الدنيا والآخرة، ويستحق وصف خير أمة أرسلت للناس.

ومن خلال هذه البحث يتبين لنا أهمية هذه القضية قضية الإيمان وما تثمر من الثمار اليانعة والطيبة في الحياة الدنيا والآخرة، وهي أكثر من أن تحصى أو تستقصى والمراد ذكر جملة من هذه الثمار التي يتحصل عليها المؤمن في الحياة الدنيا فيعيش حياة طيبة، فيها الراحة والآمان، والاطمئنان، وفي الآخرة ينعم بالعيش السعيد الأبدي في جنات النعيم.

ثمار يجدها الفرد المسلم في حياته يجدها في كل ركن من أركان إيمانه، كما تجدها الآمة المسلمة فتحيا حياة مليئة بالكرامة والعزة والسؤدد والسيادة على جميع الأمم، فتستحق أن تكون خير الأمم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت