فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 1183

وأما الجواب عن قولهم: إن ذبائحهم تحل إذ كانوا عجما فكذلك إذا كانوا عربًا، أصل ذلك المسلمون، فهو: أن هذا القياس مخالف لقول عمر وعلي -عليهم السلام- وأبو حنيفة يترك كل قياس لقول واحد منهما فكيف إذا اجتمعا.

ولهذا قال فيمن نذر أن يذبح ابنه أنه يذبح شاة [1] وترك القياس، لقول ابن عباس [2] ، وقال: إن خمر أهل الذمة مضمون على من أتلفها [3] ، لقول عمر، لأنه قال:"ولوهم بيعها وخذوا منهم عشر أثمانها" [4] . والثاني: أنهم إذا كانوا عجمًا فإن ذبيحتهم لم [ترد] [5] بين الحظر والإباحة، فغلبنا حكم الحظر على الإباحة، والمعنى في الأصل أنه لم تتردد بين الحظر والإباحة، ونصارى العرب بخلاف ذلك، والله أعلم.

مسألة قال: الشافعي - رضي الله عنه: وأحب أن يوجه الذبيحة إلى القبلة [6] . وهذا كما قال، يستحب للذابح أن يوجه الذبيحة إلى القبلة، وفي الأضحية آكد استحبابًا.

والأصل في ذلك [7] ، ما روى ابن عباس عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين أقرنين أملحين، فلما وجههما إلى القبلة قال: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض

(1) بدائع الصنائع 5/ 85، والاختيار لتعليل المختار 4/ 78.

(2) روى ابن أبي شيبة في المصنف 3/ 104 [12515] عن عكرمة عن ابن عباس في الرجل يقول: هو ينحر ابنه؟ قال: يذبح كبشا، كما فدى إبراهيم إسحاق.

(3) واستدل الحنفية بقول عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه، (وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْخَمْرَ كَانَ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي شَرِيعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا , وَكَذَلِكَ فِي شَرِيعَتِنَا فِي الِابْتِدَاءِ , ثُمَّ إنَّ الشَّرْعَ أَفْسَدَ تَقَوُّمَهُ بِخِطَابٍ خَاصٍّ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ ... فَبَقِيَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذَا الْخِطَابِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ قَبْلُ. هَذَا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ , وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ حُرْمَةَ الْعَيْنِ وَفَسَادَ التَّقَوُّمِ ثَبَتَ بِخِطَابِ الشَّرْعِ , وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ , وَمَا يَدِينُونَ لِمَكَانِ عَقْدِ الذِّمَّةِ فَقَصَرَ الْخِطَابُ عَنْهُمْ حِينَ لَمْ يَعْتَقِدُوا الرِّسَالَةَ فِي الْمَبْلَغِ , وَانْقَطَعَتْ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ بِالسَّيْفِ وَالْمُحَاجَّةِ لِمَكَانِ عَقْدِ الذِّمَّةِ , وَيَصِيرُ فِي حَقِّهِمْ كَأَنَّ الْخِطَابَ غَيْرُ نَازِلٍ فَيَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ) المبسوط 12/ 16. وانظر: بدائع الصنائع 7/ 147، ولمعرفة أقوال العلماء في المسألة انظر: المغني 7/ 424، وإعلام الموقعين 1/ 159.

(4) رواه عبد الرزاق في المصنف في باب بيع الخمر 8/ 195 (14853) ، وفي باب تمام أخذ الجزية من الخمر وغيره 10/ 369 (19396) إلا أنه ليس فيه: وخذوا منهم عشر أثمانها، ولكنه روى عن إبراهيم أنه قال: يؤخذ منها العشر (19397) ، وأخذ العشر من أهل الذمة ورد عن عمر كما في المصنف (19397 - 193400)

(5) هكذا في الأصل، والسياق يقتضي أن تكون: (تتردد)

(6) مختصر المزني ص 374.

(7) الحاوي (15/ 94، 95)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت