فهرس الكتاب
والمعنى في الأصل أنه لا يلحق المساكين الضرر من ذلك، وفي مسألتنا يلحقهم الضرر، لأن لهم حظًا في أخذ اللحم ومنفعته فافترقا.
وأما القدر المستحب ففيه قولان: أحدهما قاله في الجديد وهو الصحيح أنه [يأكل] [1] ثلثها ويتصدق بالثلثين [2] ، ووجهه: قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} والقانع قد قيل: هو السائل، وقيل: هو الذي يقنع بما يعطى. والمعتر قيل: هو الزائر، فأباح له أن يأكل منها ويطعم هذين، فلهذا قلنا إنه يجزئها ثلاثة أجزاء، والقول الثاني قاله في القديم، وأنه يستحب أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف [3] ، ووجهه قوله تعالى {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} فاقتضى أن يكون بينهما نصفين، فإن خالف وأكلها جميعها فكم قدر ما يلزمه أن يغرم؟ فيه وجهان أحدهما [4] : يلزمه أن يتصدق من اللحم بما يقع عليه اسم الصدقة لأنه لو أكل جميعها إلا ذلك القدر أجزأه أن يتصدق به، فإذا لم يبق شيئًا لزمه أن يغرم مثل ذلك القدر الذي لو تركه أجزأه. والوجه الثاني: أنه يلزمه أن يتصدق بمثل ثلثيها [5] ، وإنما كان كذلك، لأننا على القولين جميعًا جعلنا ذلك إليه ووكلناه إلى اجتهاده فأبحنا له الانتفاع بالثلث ويكون الثلثان للفقراء والمساكين، فلما حصل له الانتفاع بالجميع خرج بهذا عن أن يكون من أهل الاجتهاد فغلظ عليه بذلك فألزمنا أن يغرم الثلثين، وهذان الوجهان مبنيان على القولين في دفع الزكاة، فإنه في دفعها يجوز له أن يقتصر على ثلاثة من الفقراء، ويجوز أن يفاضل بينهم في العطاء، فلو دفع جميعها إلى أحدهم فكم قدر ما يلزمه للاثنين الآخرين؟ فيه وجهان، أحدهما: أنه يلزمه أن يدفع ما يقع عليه اسم الصدقة، والوجه الثاني: أنه يلزمه أن يدفع إليهما ثلثي ما كان أعطاه للواحد، لأنه لما دفع الجميع إلى الواحد خرج عن أن يكون مجتهدًا ففرط في ذلك فغلظ عليه كذلك هاهنا.
(1) في الأصل: يأكلها، والصواب ما أثبته.
(2) الحاوي (15/ 118)
(3) انظر: المهذب 8/ 413، والحاوي (15/ 118) ، والمجموع 8/ 415.
(4) أصحهما أنه يضمن أقل ما يجزيء، والثاني: يضمن القدر المستحب بناءً على القولين فيه. الحاوي 15/ 118، وحلية العلماء 3/ 376.
(5) انظر: العزيز 12/ 109.